رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

خالد البلشي يكتب: السقف المهني .. وسماسرة القهر

تم نشره في موقع مصريات بتاريخ 28 أكتوبر 2014

1- السقف الوزير

 

في اجتماع مجلس الوزراء مع الاعلاميين - وحسبما نقل الزميل جمال فهمي ما جرى خلال اجتماع لجنة التشريعات الصحفية-  اعتبر وزير الداخلية إن الاعلام يمهد لثورة جديدة لمجرد انه هاجم وزيري الصحة والتعليم بعد تكرار وقائع مقتل اطفال في المدارس والاهمال الطبي في المستشفيات.. كان الوزير ورجل الأمن الأول في السلطة الحالية وسلطة الإخوان من قبلها يسرب سقفا لما يراه نقد لا يجب تجاوزه .. وهو ما كان سببا في نقد عدد من الحاضرين لهذه الرؤية معتبرين ان اغلاق هذا الباب هو الذي سيفجر الثورة الحقيقية .

 

 لكن لم يكد يمر اسبوع على الاجتماع حتى فوجئنا بوثيقتين صنعهما الاعلاميون انفسهم يعلنون فيهما حالة الحرب، ووقوفهم وراء مشروع السيسي.. لم يكن أحد قد جرؤ على نقد السيسي بشكل مباشر باستثناء مقالات متناثرة هنا وهناك كانت هدفا مباشرا للقصف من رؤساء التحرير الذين حضروا اجتماع اعلان تكميم افواههم بايديهم.

 

وهكذا فإن السقف الذي اعلنه وزير الداخلية خلال الاجتماع جرى خلال اقل من أسبوع تأطيره من خلال بيانات صاغها أصحاب المهنة أنفسهم بينما نصَّب عدد منهم خلال الاجتماع الرئيس إلها لا يجوز نقده.. وأعتبروا مساندة مشروعه وما يوحي إليه مستقبلا فرض عين على الجميع .. رغم أن المشروع المشار إليه لم تتحدد ملامحه وكل ما ظهر منه حتى الآن يعلن بشكل سافر عن اتجاه السيسي لتأسيس فاشية جديدة وإعادة تأسيس دولة ديكتاتورية على نمط الديكتاتوريات الكلاسيكية في اربعينيات القرن الماضي عبر تأميم المجال العام وإغلاقه أمام أي دعوات معارضة وعسكرة الدولة ومؤسساتها وفرض الاحكام العرفية عبر قرارات تفتح الباب لمحاكمة كل من يعلن رأيا مخالفا أمام القضاء العسكري وهو ما تم التحذير منه بشكل كبير وقت وضع الدستور، وخرج من يبررون القرار بانه لن يتجاوز المؤسسات العسكرية.. وإذ نحن أمس أمام قرار من الرئيس يحول الدولة برمتها لمؤسسة عسكرية في ابتكار جديد تجاوز كل منظري الديكتاتوريات التقليديين.

 

2 - البنطلون آه

 

 

خلال الحملة الانتخابية للسيسي كتبت مقالا تحت عنوان (أنا الديكتاتور المنتظر) وصفت فيه أحد حوارات المرشح للرئاسة عبد الفتاح السيسي وقتها بأنه "تأسيس لديكتاتورية نقية .. ديكتاتورية من مصادرها الطبيعية ومن ينابيعها الصرفة"

http://www.albedaiah.com/node/47609

وقلت أن السيسي عاد في حواره إلى مفاهيم الحشد الفاشية وأنه يؤسس لمشروعية نظام مبني على الخوف لا الحرية باعتباره القائد الذي يخوض معارك الوطن و(خلقها إذا لزم الأمر).. وأن المشروعية التي يبنيها هي مشروعية الخوف من هيبة الدولة بدلا من دولة تؤسس لهيبتها بالحرية.. ودولة تخوض حروب مستمرة لحشد الجماهير، فمن حرب حقيقية ضد الإرهاب .. إلى الاستعداد لحروب يتم تفجيرها لزوم ضمان الولاء الدائم للحشود ولو على حساب حريتهم، فالوطنية أهم من الحرية والحفاظ على الدولة في مواجهة من يهدمونها بالتظاهر ولو من أجل حقوقهم تحول حاليا لواجب مقدس.

ورغم أني وقت كتابة المقال لم أكن أتوقع أن يتم تحقيق النبؤة التي قدمها السيسي في مشروعه بهذه السرعة ورغم أن رهاني في التصدي لهذا المشروع لم يكن أبدا على (النخبة الإعلامية الهشة) لكني لم أكن أتوقع أن يكون التدافع نحو التخلي عن مابقي من حريات تم تأسيسها بهذه السرعة للحد الذي دفع عدد كبير منهم لمهاجمة مقال الزميل عمر الهادي (البنطلون لأ ) والذي انتقد فيه انشغال السيسي بالتركيز على الاعلام والهجوم عليه عن مهام دستورية هي أولى بالاهتمام.. معتبرين المقال تجاوز في حق الرئيس.. وتناسوا إنه إذا كان من حق البعض التخلي عن البنطلون فإن من حق عمر الدفاع عنه وعن ما يراه مساحة من الحرية لا يجب تجاوزها أو الانتقاص منها .

إن كل المؤشرات تشير إلى أن دولة السيسي ماضية بكل ما لديها من عزم وقوة على مصادرة ما تبقى من حريات وبناء ديكتاتوريتها الجديدة يساندها في ذلك جماعة تبنت سياسة الأرض المحروقة للوصول لاهدافها ومعاقبة من خرجوا يوما على مشروعها وعلى فشلها في تطبيق ما يفعله السيسي الآن لاحكام السيطرة على الجميع.. ونخبة ترى أن دفاع صحفي عن مساحة من الحرية في حدود حفاظه على ارتداء البنطلون جريمة يجب مساءلته عليها.

 

 

 3- دولة الخوف

 

بدا أن دولة السيسي استفادت من أخطاء دولة الاخوان وارتعاش يدها في فرض نظامها القمعي بشكل كبير ولذا فإنها لم تترك فرصة منحها لها الارهاب والإخوان إلا وسعت للمزيد من إحكام قبضتها.. فخلال الاسبوع الماضي فقط وكرد فعل على حادث سيناء الارهابي والذي دفعت مصر ثمنه باستشهاد 30 من الجنود الأبرياء.. وبدلا من أن يتصاعد الحشد للقضاء على الإرهاب وبنيته والثأر لهم فإن قرارات دولة السيسي توجهت إلى إعادة نشر الجيش أمام مؤسسات الدولة لمدة عامين بدلا من توجيهها للحرب على الارهاب ومصادرة المجتمع المدني عبر انذارات لأكثر من 100 مؤسسة أهليه.. وارسال رسائل واضحة إنه لا تفاوض ولن نسمح بأي مساحة من النقد - حتى ولو في إطار المطالبة بتفعيل الدستور-  وذلك عبر حكم واضح بحبس 23 من متظاهري الاتحادية لمدة 3 سنوات لمجرد أنهم طالبوا بالافراج عن زملائهم وتعديل قانون التظاهر المطعون في دستوريته .. وانتهى الاسبوع بقرار من قاضي قضية الشورى بحبس المتهمين الذين تم إخلاء سبيلهم الجلسة السابقة رغم حضور جميع من أخلي سبيلهم.. (لاحظوا أن مظاهرة الشورى خرجت وقتها للتحذير من مادة المحاكمات العسكرية وانها قد تستخدم يوما لتطال الجميع وهو ما جاء القرار الأخير للسيسي ليؤكد صحة هذه التحذيرات ) ..  أما نفر من الصحفيين والاعلاميين فقد تكفلوا انفسهم بالباقي بمصادرة ما تبقى من مجال للحركة عبر بيانات لتأميم مهنة الصحافة.. وذلك بعد تأميم الحركة في الشارع عبر قانون التظاهر غير الدستوري.. وفي الجامعات عبر إجراءات قمعية اختزلها الاخوان في شركة للأمن وحولوا معركة حرية الجامعة إلى معركة للقضاء على ما تبقى من حرية داخلها استكمالا لمعركة الارض المحروقة التي يخوضونها منذ فترة طويلة لعقاب الجميع.. وهو ما ظهر عبر مشاهد عبثية كان الاعلام على الطرفين جاهز لاستغلالها.

 

 

4- يا فاشل يافاشل

 

ربما ينعي الاخوان الآن لبعضهم البعض فشلهم في القدرة على تحقيق ما يفعله السيسي الآن والذي حول شعارات (إضرب يا مرسي) لواقع على الأرض بضرب جميع الأطراف حتى مساندين له أو تحذيرهم بغلظة لمجرد زلات لسان أو خطأ عابر في حقه، أو لمجرد أن بعضهم يحاولون تصحيح مسار يرونه خطر على دولته ( الوقائع كثيرة من قطع البث وحتى وقف برامج) ..

وربما تكون دولة السيسي استفادت من أخطائهم في هذا المجال بسرعة فرض دولة الخوف والقمع وتأسيس ديكتاتوريتها، على طريقة اضرب المربوط يخاف السايب .. مستغلة أخطاءهم وخطاياهم في حق الجميع..

 

لكن ما لم يدركه الطرفان وما قد يغيب عن البعض الآن أن معركة الحرية لا تنهزم بتوسيع القمع.. بل ربما يكون ذلك دافع لاستمرارها ولو ركن الجميع حتى حين لحسابات الخوف والمستقبل الشخصي.. فالقهر هو العدو الحقيقي لكل الأحلام وغدا سيدرك الجميع أن مساحات الحلم مهما كان خاصا تتضاءل..  فحتى القهر له سماسرته الذين يصادرون كل الأحلام والفوائد لصالحهم فقط ( ولكم في بيانات مصادرة الحريات أسوة).

 

 

5 - الخطأ القاتل

 

إن خطأ نظام مبارك كان تصغير الدولة وتقزيمها لحد خوض معارك شخصية مع الأفراد والمعارضين.. وخطأ مرسي كان توسيع معركة القمع لفرضها على الجميع دفعة واحدة.. وربما يكون خطأ حكم السيسي والذي استغل إرهاق 3 سنوات من الحركة للمطالبة بالحرية هو تناسي اثمان تم دفعها ربما يتم الصمت عليها لبعض الوقت لكن المؤكد أنه لن يتم الصمت عليها كل الوقت.. خطأ تجاهل تضحيات جيل خرج يحلم بعدل تبنيه وتحميه الحرية بدولة تتسع للجميع ولاحلامهم مهما اشتطت.. خطأ تجاوز أجيال بكاملها ترى أنه لا عدل بلا حرية فما بالكم لو تراجع العدل وسقطت الحرية والأحلام معا.. انه خطأ لو تعلمون عظيم.. فهذه هي معركة الثورة وستظل قائمة ما لم يأت من يدركها ويكون حريص على تحقيقها.

إن وضعا كهذا وقمعا كهذا واغلاق كل الأبواب بهذه الطريقة لا يمكن أن يستمر طويلا، بل أن مقدمات الخروج عليه ربما لن تطول، في ظل وجود أجيال دفعت من أرواحها الكثير لتغييره، وأجيال على الجانب الآخر تنتظر تحسنا ولو محدودا في ظروفها العامة وملامح انحيازات مختلفة ولو طال أمدها .. ففي وضع كهذا وفي ظل إصرار على عودة دولة بوليسية وقبضة أمنية عنيفة كانت المحرك الأكبر لكل ما جرى منذ 25 يناير ، وإصرار على تجاهل ابسط أحلام العدل وتحميل كل الفئات الأضعف ضريبة ما تراه السلطة إصلاحا أو ما تعتبره استعادة لهيبتها .. وفي ظل تجاهل واضح لـ ان هيبة الدول تبنى بالعدل والحرية فإن القادم ربما يكون أصعب.. والأخطر أن يتضاءل معه الإحساس بخطر البدائل الأخرى تحت ضغط القمع والقهر المباشر والظروف الآنية القاهرة .. وتباعد الهوة بين ما كان لصالح ما قد يأتي مهما كان.

 

ربما يجبر الخوف البعض على الصمت لبعض الوقت.. لكن صمت الخائفين لن يستمر طوال الوقت.. والأخطر أنه ربما يتحول لانفجار مباغت تحت ضغط الكبت.. فكما علمتنا التجارب فإن الكبت يولد الانفجار.. والانفجار القادم ربما يكون أشد عنفا وضراوة.

 

 

مقالات ذات صلة:

 

خالد البلشي يكتب: قراءة في حوار السيسي .. أنا الديكتاتور المنتظر

 http://www.albedaiah.com/node/47609    

 

خالد البلشي يكتب: مقال مستطرد عن الثورة المصرية.. ملامح الموجة الثالثة

http://www.albedaiah.com/node/46236

 

 

- See more at: http://www.masreiat.com/node/2364#sthash.JXRwf2gc.dpuf

التعليقات
press-day.png