رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : المُحاكمة بين "جوزيف ك." و "يارا سلام"

يفيق "جوزيف ك." من نومه مبكراً ليستعد للذهاب إلي عمله في البنك، و بدلاً من أن تأتيه الخادمة بالإفطار -كما إعتاد كل صباح- يدخل عليه رجلان يقولان له أنهما من الشرطة و أنه متهم و عليه أن يكون جاهزاً إذ سيُستدعَى في يومٍ ما إلي المحكمة، ثم ينصرفا و يتركانه حائراً خاصةً أنهما لم يصرحا له بما هي تهمته..يتوجه إلي عمله محاولاً إقناع نفسه بأنه متهم و أن عليه أن يقوم بتحضير دفاعه..يتم إستدعائه ذات يوم إلي المحكمة فيتوجه إليها مذهولاً ليجد مبني ضخم يزخر بالسلالم و الدهاليز و يمتلئ بالفقراء الذين يشقون طريقهم فيها بصعوبةٍ بالغة..يصل أخيراً لقاعة محاكمته، فيدخل إليها ليجد قضاةً و موظفينَ و جمهوراً..يتحاور مع القضاة و لا يفهم مما قالوه شيئاً ثم ينصرف..يتصل بمحامين للحضور معه فيعدوه بالبراءة لكنهم لا يعرفون ما هي تهمته.. ذات ليلة بعد عامٍ كاملٍ يأتيه رجلان في زيٍ رسمي يصطحبانه بعنف خارج منزله و يلقيان به علي الأرض ثم يغمد أحدهما سكيناً في قلبه حتي إذا أدركه الموت قال:"مثل كلبٍ أموت".

كان ما سبق ملخص "المحاكمة"..إحدي أهم روايات عبقري الكتابة الكابوسية "فرانتز كافكا" التي يأخذك فيها علي جناحِ السَردِ المهيب إلي عوالم سوداوية مُغرِقة في واقعيتها تلمس من خلالها معاناة الإنسان المُهدرة كرامته و الذي يُعاقب علي تهمة لا يعرفها..ربما تكون تهمته التي لقى عليها عقاب الموت أنه كان مجردُ إنسانٍ مُترددٍ عاجزٍ أمام سطوةِ سلطةٍ أسطوريةٍ تحيطه بأسوار عملاقة تُكبلُ حريته..ربما تكون تهمته أنه لم يتمرد علي جهاز قِيَمٍ مجتمعية ظالمٍ و كان مجرد خانعٍ خاضعٍ لما ظن أنه قدره المحتوم، لكنه بالتأكيد تحرر عند موتهِ.

تذكرت رواية "كافكا" العبقرية في ذلك اليوم..28 ديسمبر 2014..يتشابه وصف "كافكا" للجهاز البيروقراطي بالغ الضخامة و القسوة و الذي لا قلب له مع ما نحن فيه الآن..بناياتٌ ضخمة، سلالم و دهاليز، جدران شاهقة تشعرك بأنه لا قَيدَ هناك، لكنك لا تستطيع أن تُحلقَ لأبعد من حَدٍ مرسومٍ و مُقررٍ سلفاً (هل يمكن للحُرية أن تكونَ مُحتَجَزة).. مُتفرجون فقراء و تعساء لا يعنيهم سوى مُتعة المشاهدة حتي و إن لم يفهموا شيئاً مما يجري، ربما كانوا متهمين أيضاً يتابعون إنفعالاتِ هَلعِكَ الصادقة في شغفٍ لذيذ (هل يمكن لمشاعر الهلعِ سوي أن تكونَ صادقة) بينما هم في إنتظار دورهم للمحاكمة..لا فارق في السياق بين ما وصفه "كافكا" و بين ما نحن فيه الآن، لكن النهايات -دون شكٍ- مختلفات..يتوجب علينا ألا ننسى 28 ديسمبر 2014 ثم ننقله للقادمين من بعدنا..إنه التاريخ الذي هزم فيه بعضٌ من بناتنا و شبابنا رؤية "كافكا" لإنسان هذا العصر الذي تردَدَ و إكتئب، فإنزوى و صار جزءاً من جهازٍ عملاقٍ طاغٍ موحِشٍ و كئيب، ثم مات. في المقابل، سَرت الروحُ العظيمة في أفئدة و قلوب بناتنا و شبابنا، فتمردوا علي هذا الجهاز البائس الهش -رغم ضخامته و سطوته الظاهرة-، ثم حَسَمَوا أمرهم و فرحوا (ما أجمل إبتسامة فرح "يارا سلام") و حَلَّقوا عالياً، فلم يموتوا بل نالوا حريتهم رغم ظُلمِ الحُكم و ظلامِ السجن..إنها سوداوية ضَعف "جوزيف ك." مقابل إبتسامة قوة "يارا، و سناء، و حنان، و ناهد، و سمر، و سلوي، و فكرية، و إنو، و إبراهيم، و أبو سمرة، و ميزة، و جيفارا، و عمر، و أحمد و إسلام عرابي، و معتز، و أورتيجا، و البيلي، و مصطفي، و بسام، و ياسر، و العربي، و محمود، و مؤمن".

رغم الإشتراك في كابوسيةِ الحاضرِ بين فتي "كافكا" و بناتنا و شبابنا، إلا أن النهايات مختلفات و مازال القوس مفتوح..فلتسقط سوداوية "جوزيف ك." و لتحيا إبتسامة "يارا سلام".

التعليقات
press-day.png