رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : لا لمؤتمر مارس 2015

"لماذا ترفض المساعدات المالية التي يُتوقع أن تأتينا في مؤتمر مارس 2015 الإقتصادي؟" كان هذا سؤال صديقي الذي قابلته صدفة بعد نحو سبعِ سنواتٍ كان فيها غائباً عن البلد، فلم يعش معنا أسوأ أيام مصر في سنوات "مبارك" الأخيرة، ولم يشهد معنا أجمل أيامها في الثمانية عشر يوماً التاريخية من بدايات 2011 و بعض ما تلاها من بعضِ أيامٍ رائعات تخللت عهد المجلس العسكري الدامي، و لم يعاني معنا أردأ أيامها في سنة حُكمِ الإخوان السوداء التي لا يجوز سوى إسقاطها من تاريخ مصر الحديث، و لم يعاصر معنا ما نعيشه هذه الأيام من إرهابٍ يدمر السلم الداخلي و إنفلاتٍ في الأسعار يطيح بالعدل الإجتماعي و قمعٍ للحريات السياسية يهدر حقوقاً إنتزعناها بالدم.

رددت علي صديقي بأنني لا أرفض المساعدات فحسب، بل أرفض المؤتمر بِرُمَتِهِ. الحكاية يا صديقي هي حكاية الإستقلال الوطني الذي لن نُحَققهُ إلا من خلال مجتمع جديد يرتكز علي ثلاث محاور أساسية يصبح أي مجهود دونها محضُ مضيعة للوقت و الجهد و ما تبقي من المال:

أولاً: إعادة إنشاء منظومة تصنيع كبري تطرح قيمة مضافة بالمجتمع و تخفض معدلات البطالة و الفقر و تمنع تسرب فائض القيمة.

ثانياً: تحديث الزراعة و تطوير الإنتاج الحيواني و الداجن و السمكي بما يحقق الإكتفاء الذاتي من الغذاء الصحي و الآمن.

ثالثاً: إنجاز تقدم عاجل جداً في أربعة مجالات ترتبط ببعضها إرتباطاً وثيقاً: الحريات السياسية-العدالة الإجتماعية-المواطنة-محاربة الفساد. 

وَعَت دول المراكز (كما يطلق عليها كبيرنا الذي علمنا الدكتور "سمير أمين") درس الأزمة المالية الأخيرة في 2008  و صار لزاماً عليها أن تقوم بإيجاد فرصٍ جديدة لتوظيف فوائض اموالها المتراكمة بما يدرُ عليها مزيداً من الأرباح الآمنة، و المرتفعة ، و المنتظمة، و السريعة. و لهذا فقد تطورت إستراتيجيتها لتوظيف تلك الفوائض بدول الأطراف الفقيرة التي تراها مُجرد مصدرٍ منخفض التكاليف للمواد الأولية و سوقٍ ضخمٍ لمنتجاتها. و المنتجات بالنسبة لتلك الدول يا صديقي تشمل الأسلحة كما تشمل ما هو دون ذلك من سلع، و بالتالي فقد نشأت لديها ضرورة خلقِ أسواقٍ لتسويق السلاح كأي مُنتج يُباع و يُشتري. و لما كانت أسواق السلاح هي ساحات المعارك و الحروب، فقد تحركت تلك الدول لخلق هذه الساحات خاصةً بعدما تكدس السلاح لديها إثر إنهيار الإتحاد السوفيتي و دول حلف وارسو، فبدأت معنا بحرب الخليج الأولي ثم الثانية و لم تنته -بعدُ- بحرب داعش. و لما كان الدمار الشامل في جميع البنى -التحتية منها و الفوقية أيضاً- هو ناتج المعارك و الحروب يا صديقي، فإن دول الأطراف التي دُمِرت تلجأ ،بعد أن ينقشع غبار المعركة، لدول المراكز مرة أخري للمساعدة في إعادة الإعمار و هي العملية التي تحتاج تقنية عالية و تمويل ضخم لا تستطيع سوي دول المراكز أن توفره، فتزدهر أعمال شركات المقاولات و التأمين و البنوك و تزيد ارباحها و تنتعش أسعار أسهمها في أسواق المال التي ضربها الكساد.

في هذا السياق يا صديقي، فإن دول المراكز لن تعمل أبداً علي مساعدتنا لتحقيق أي تنمية "مستقلة" لأن في هذا إضرار كبير بمصالحها. لأجل ضمان توظيف آمن و تحقيق أرباح مرتفعة و منتظمة و سريعة لأموال تلك الدول و لحلفائها الإقليميين، سيحدث في مؤتمر مارس 2015 أنهم سيغرقوننا في الديون للإنفاق الإستهلاكي لا التصنيعي الإنتاجي، و بالتالي نظل نقترض دون مردود ملموس، و عندما نتعثر في السداد في مواعيده سيقرضوننا مزيداً من الديون حتي نسدد ما إقترضناه سابقاً و لكن بفوائد أعلي و هكذا ندخل صاغرين إلي دائرة إدمان الإقتراض الجهنمية أو أن نتسول إعادة جدولة ديوننا أو إسقاطها جزئياً أو كلياً بمقابل سياسي فادح كأن نُصَوتَ الي جانبهم في المحافل الدولية أو نمنحهم إمتيازاتٍ عسكرية أو إقتصادية أو أن نتهاون في حقوقٍ تاريخية لنا أو لأشقائنا. كل هذا فضلاً عن الإمتثال لشروط صندوق النقد من تحرير للأسعار و تعويم للعملة و رفع لما تبقى من دعم الفقراء و خفض للإنفاق الإجتماعي من قِبَلِ الدولة..سيمنحوننا مساعدات مالية في شكل منحٍ لا تُرد لأجلِ الإنفاق علي مدفوعاتنا الجارية كالأجور و الرواتب و الإستيراد الفاحش.. سيضخون أموالاً في صورة إستثمارات مباشرة في مشروعات تعمق من شكل و هيكل الإقتصاد الريعي الإستهلاكي الذي يعتمد علي الخدمات و التجارة و بيع العقارات و الأراضي و التداول بالبورصة فيما نطلق عليه الأموال الساخنة و هي الأموال التي تعمل في بورصات الدول الفقيرة (التي أسموها بالأسواق الناشئة زوراً و بُهتاناً) لمدد زمنية محدودة جداً ثم يعيدونها إليهم مرة أخري مُحَملة بأرباح عالية بما يرسخ مزيداً من الفقر و الجهل و التخلف و التبعية. كان الأجدى و الأوفر مالاً أن تتم دعوة الإقتصاديين الوطنيين من أصحاب الرؤي و من مختلف التوجهات و الأيديولوجيات لمؤتمر وطني لإنقاذ إقتصاد مصر يضع خارطة طريق إقتصادية تُبنى علي دعائم إنشاء منظومة تصنيع كبري و تحديث الزراعة في إطار من الحريات السياسية و العدالة الإجتماعية و المواطنة و محاربة الفساد.

قال لي صديقي الذي إغترب ثم عاد أخيراً.. لا لمؤتمر مارس 2015

التعليقات
press-day.png