رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

خالد البلشي يكتب: على حافة الحكمة

الآن هو يبحث عن ذاته في كل العيون والأماكن وأزقة الأنفس التي تحيط به، يفتش عن طريق جديد. هو الأن يدرك أنه على بوابة تغيير مزلزل، يتربع على عرش نفسه الزائلة في مرحلتها السابقة ويدرك أن نفسا جديدة تنمو له، ربما يقابل بها واقعا أكثر بؤسا أو يعلو بها على بؤس واقعه. هذا هو شعوره بنفسه.

جرب هذه الحالة كثيرا وفي كل المرات يجد نفسه يرتد إلى ذاته الطفولية، يعيد انتاجها من جديد مستفيدا من قسوة واقع محيط، بخلق نفس جديدة أشد رقة ورهافة وأكثر اندفاعا ( من الفانية). كل مرة يدفع ثمن التغيير الجديد أكثر عنفا لكنه يصر على انتاج نفس الذات وتحويرها لتكون أكثر رقة وإنسانية، وكأنه يعدها لتنهزم من جديد وتستمر من جديد، وتصنع أحلاما جديدة لم تهزمها التجارب المرة بل تحاول تجاوزها دائما.

أكثر كابوس يؤرق حياته هو شيخوخة القلب والنفس والعقل، ولذلك فإنه على مر تاريخه يعيد تجديد هذه الذات البالية في مواعيدها ذاتها بعد أن تصهرها تجارب الوجع وقبل أن تذوب في أقانيم المعرفة المنضبطة. وكأنه روض نفسه على أن تخوض المعارك بنفس الروح الشابة لكنه لم يدرك إلا هذه المرة، أن ترسبات كل نفس جددت كانت تترك أثرا، وان ما يسميه حكمة الشيوخ التي طالما دعا الله أن يبعدها عنه، ويؤخر نموها داخله، كانت تترك بعض من بقاياها الهشة داخله في كل مرة، لكن الجديد أنها تستوي داخله في رقة قلب تبحث عن الحب دائما أينما حل.

 مازال يحمد الله على أنه قادر على مقاومة جبال حسابات الكبار، لكنه يشاهد نفسه تحاول أن تنظر من بوابات الرؤية الحكيمة، كان يودها فقط أن لا تخرج عن حد شبابيك الرؤية العاقلة. لفترات طويلة يحاول ان يضبط هذه الحكمة بتقويمها بنزق وجموح شباب لكن قدراته البدنية تعجزه وأن كان قلبه لازال قادرا على حمله.

يدرك أن من علامات شيخوخة القلب والعقل، ان تكف عينيك عن التقاط التفاصيل - التي يكمن شيطان الحلم والقدرة على الفعل في تفاصيلها-  ان تعجز عن لضمها معا لتصوغ منها رؤية متكاملة، ان تتيبس شرايين الاحساس والتفكر داخلك فلا ترى إلا القشور أو النهايات الكبيرة للأحداث، وربما تراها منقوصة ومشوهة ومن جانب وحيد، ألا تدرك أن لكل حدث جوانب متعددة وأكثر من رؤية وانك لست المالك الوحيد للحقيقة ولكن واجب عليك دائما ان تدافع عما تراه حق وحقيقة. لكنه يدرك ايضا أن  قلبه صار أكثر رقة وانه لازال يتعامل بخفة شاب مع تجارب تلوح في الأفق ثم تتراجع خلف جدار حسابات الكبار، ويدرك أن امنيات مرورها في زمن سابق هي بنت تجربة جديدة تستعد للاكتمال، فكل حب وتوق هو ابن زمانه ولو أعجزه حدود إمكانيات خيارات المحب العاقل عن الاحتفاظ به .

يقول أبناؤه الذين دخلوا حياته مبكرا جدا - في محاولته أمام نفسه لتجاوز رقة الحكمة وتأكيد قدرته على البقاء بروح شابة جامحة نازقة حتى لو نبت داخله قلب أب رقيق يخاف عليهم - أن سن النبوة والحكمة يتسرب إليه وانه أت لا محالة إلى مذبحة محاكمات رؤيتهم الحالمة القادرة على صياغة عوالم جديدة على قدر اندفاعهم. لكن الذي يسعده أنه مازال يمسك بنفسه تتجاوز التعقل الحريص لبعض منهم بعد تجارب سنين موجعة وتحلق فوق أحلامهم وتستمد من بقايا حكمة التجارب ريش عجوز لهذا الجناح ربما لا يدفعه إلى الفضاءات العالية التي كان يصل إليها، لكنه لازال قادرا على الطيران بمحاذاتهم وربما يتجاوز بعضهم في احايين كثيرة.

الجديد الآن أن عينه صارت منجذبة لأسفل دائما تحاول تدوير المخاطر.

آفته الآن أنه لا يريد ولن يستسلم لحكمة صاغها سابقوه إن لكل عمر جماله، فهو يراها محاولة لتبرير العجز ، ويرى الجمال في النزق المندفع حتى ولو خففت حدته أو هذبته أحمال السنين وحقوق وواجبات من سعى لإدخالهم في حياته.

 

دعاؤه لا زال " رب لا تدخل القلب في دائرة الحكمة المستكينة، اللهم لا تخذل قلبا وعقلا مازال يحلق في فضاءات القدرة على الفعل، بجسد متعب كل حدوده تجميلات على قدر المتاح". وأقصى حلمه ألا يركن يوما لحائط الدعوات العاجزة بأن "مسير ربنا يعدلها".

التعليقات
press-day.png