رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: حين تصبح المقبرة في بلادي.. حُلماً

 

"إصابة أحد العاملين بمخبز في كفر الشيخ بطلق ناري بعد مشاجرة مع آخرين من أجل الحصول علي الخبز".."وفاة شاب بعد إصابته بهبوطٍ حادٍ في الدورة الدموية من فرط فرحته إثر حصوله علي أنبوبة غازٍ بثمنها الرسمي بعد إنتظار دام ثلاث ساعات كاملة".."محافظ الدقهلية يحقق حلم مواطنٍ في الحصول علي مقبرة بعد 59 عاماً قضاها مريضاً طريح الفراش". قَسَتْ قلوبنا و إعتادت عيوننا و العقول علي أخبار الوفاة في سبيل كسرةِ خبزٍ أو أنبوبةِ غازٍ..لم تعد تلك النوعية من الأخبار تثير دهشة أو أسى أحد، فمازال الوضع البائس علي حاله بل ربما إزداد سوءاً علي سوء. الجديد هذه المرة كان في الخبر الثالث المثير لألمِ الرُوح و الذي يتجاوز عبث "بيكيت" و كابوسيةِ "كافكا"..في "المسخ" إحدي أهم روايات "كافكا" يتمني بطل الرواية "جريجور سامسا" الموت بعدما صحا من النوم و قد وجد نفسه قد تحول إلي حشرة ضخمة تجنبها الجميع..أبوه و أمه و أخته المُحبة و الخادمة..لفظوه لكهم، فإغترب و صار وحيداً منبوذاً، ثم كان الموت هو أمنيته الأعظم و حلمه الوحيد. ما أشبه "محمد شجر" المصري "بجريجور سامسا" الكافكاوي..الرجل ببساطة "يحلم بمقبرة". الحُلمُ لا يمكن أن يكون مُرتبطاً سوي بالحياة، فأنت تحلم بشيئ تبتغي تحقيقه ملموساً بين يديك، أما أن يحلم الرجل بمقبرةٍ لجسدٍ فارقته الروح، فهذا هو عينُ الوجع....هل وصل بنا بؤس الحال إلي هذه المرحلة المتطورة من الحلم بحياةٍ أقل جَوراً و ظلماً -لا أقول أكثر فضلاً و عدلاً- بعدما كدنا أن نلامس السماءَ بأطراف أصابعنا إلي أن يحلم أحدنا بمجرد مترين من الأرض تُوارىَ فيهما سوئته..هل وصلت بنا مشقة الحياة في بر مصر ليحلم أحدنا -لا بالشفاء و لا حتي بالرحيل إلي أرضٍ أخري- لكن بمغادرة الحياة في ذاتها..تلك هي الحكاية في بلادي المبتلاة بالظلم و الفقر و الحاجة و القهر.....تلك هي الحكاية في مصر "المحروسة" التي تكاد أن تتحول إلي مقبرة كبري. منذ نحو 52 عاماً أنشد الطفل الإلهي السمين "صلاح جاهين" قصيدة أراها من أعذب و أروع و أعظم ما كُتب في تاريخ العامية المصرية..قصيدة ذات عنوانٍ بليغ و صادم: "بأحب المقابر" لخص فيها قصة الإنسان و غروره بقوته، فهو وحده فخور في المقابر علي إتساعها و إن ضاقت بمن فيها:

"بأحب المقابر و أموت في التُرب

هناك زي حي الغُناي في الهدوء الجميل

هناك زي شط البحور في النسيم العليل

هناك العجب

هناك تمشي تسمع لرجلك دبيب

عالي يرضي الغرور هناك كله راقد، مافيش غير إنت اللي واقف فخور

و أما الزهور

هناك بالمقاطف علي الأرض..يا مسروقة يا بتحتضر

تجيب أدوات العطور

 و تصنعها عطر إسمه مثلاً..عبير العِبَر

و تدهس علي العضم و تقول كلام فلسفة و تملا كُتُب

 ده غير الثواب اللي تقدر كمان تكسبه من الفاتحة ع الميتين

 فمنها عبادة و منها إستفادة و منها أدب

 لهذا السبب بأحب المقابر لَكْين

 بعقلي الرزين

بأحب البيوت و اللي فيهم زيادة

" يا عم "محمد شجر"، لست بحاجة إلي مقبرة..أنت بحاجة إلي وطن. كلنا سنموت يا سيدي، فما نحن إلا أمواتٌ أولادُ أمواتٍ، لكننا لن نسمح لك بالموت كمسخٍ "كافكا" لأننا.....نحب البيوت و اللي فيهم زيادة.

التعليقات
press-day.png