رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب عن استشهاد شيماء الصباغ: أُقصوصةٌ ليست خُرافية

"شيئٌ مؤسف، فالعالم يزدادُ ضيقاً يوماً بعد يوم "قال الفأر" "في البداية كان العالمُ واسعاً مُتسعاً لدرجة كانت تخيفني آنذاك، كنت أجري و أقفز و أتجول، و كنت سعيداً أن أري عن بُعد هذه الحوائط علي يميني و علي يساري، لكن الآن، هذه الحوائط العالية الممتدة التي تنطبق بسرعة بعضها علي بعض، و تحاصرني، و أجد نفسي الآن في الغرفة الأخيرة، حيث توجد في أحد أركانها المصيدة." "عليك فقط أن تُغيرَ إتجاه حركتك" قال القِط ثم إفترسه." ..هكذا تحدث "كافكا" في أقصر رواياته "أُقصوصةٌ خرافية".

في "طلعت حرب"، كانت هناك أقصوصةٌ أخري تُتْلَى..أقصوصةٌ أشد كابوسية من رواية "كافكا"، لكنها ليست خرافية..أقصوصة من لحمٍ و دمٍ غزير..كم كان ثقيلاً هواءُ المدينةِ التي بلا قلبٍ في ذلك اليوم.. مُجردُ غيومٍ باهتةٍ في السماء، لا أزاحتها الشمسُ فأشرقت بنورِ ربها و لا تركتها تُمطرُ خيراً، لكنها أكسبت المشهد مزيداً من القتامة..همهماتُ لا تُدركها إلا بصعوبةٍ بالغة و حين تكونُ -فقط- قريباً جداً..أصواتٌ خافتةٌ أعياها شقاءُ السنين و أنهكها تعبُ مُطاردةِ حُلمٍ بدا بعيداً.."عيش-حرية-عدالة إجتماعية"..دخانٌ كثيفْ..صرخات قاسية تُميزها الآذانُ عن بُعدٍ، و أخري ناعمة تقرأها عيوننا من الشفاةِ التي صبغها الدافق الساخن بأحمرٍ قانٍ و حزينْ..ظلالُ أشباحٍ ترتدي السواد و تُخفي العيون وراء زجاجٍ قاتمٍ و علي الأكتافِ نجومٌ لامعات و في الأيدي سلاحٌ كثيف..غبارٌ متناثرٌ..طلقاتُ رصاصٍ كمَطارق تضرب الرؤوس..في لحظةٍ واحدةٍ -رُبما مرت كَدَهْرٍ- سقطَ الجسدُ النحيل بين ورودٍ و دِماءْ..تحررت الروح سابحة في فضاءٍ مُطلقٍ بلا حدود، مُغردة كعصفور غادرَ محبسه و شق طريقه في رشاقةٍ إلي رَحابةِ السماء..رقد الجسدُ رقدته السرمدية مُفارقاً أرضاً تمناها وطناً..تلك كانت أقصر الروايات..أُقصوصة "جان دارك" المحروسة التي غادرتنا مُكللة بالورود بينما راحَ بعضنا يحتسي نبيذَ دمها الطاهر علي مذبحِ البرلمان المشئوم و يرقص علي أطلال مملكةٍ بائسةٍ..تلك هي الأقصوصة غير الخُرافية..إنها أُقصوصة "شيماء الصباغ" و كفي.

 

التعليقات
press-day.png