رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

خالد البلشي يكتب عن مذبحة الألتراس: في ذكرى 11فبراير.. السيسي على خطى المخلوع

 

1-   الأمن والحرية

"لو تعارض الأمن مع الحرية والديمقراطية فالأولوية للأمن.. وكل الخسائر يمكن جبرها لاحقا" كان هذا هو مضمون ما قاله السيسي خلال أحد لقاءاته مع قادة الأحزاب، والتي لم تسفر عن شيء سوى استمرار الدولة في العنف، والقتل، والاستبداد، بفرض ما تراه على الجميع.

هذا المضمون نقله لي أحد المشاركين في هذه الاجتماعات عقب مقتل الشهيدة شيماء الصباغ بعدة أيام، ورغم ذلك فإن جانب من هذه الأحزاب ظل يطالب السيسي بإقالة وزير الداخلية، - وهو مطلب ضروري ولكن ليس كافيا - كشرط للدخول في العملية السياسية، بل واستمرت هذه الأحزاب تفعل الشيء نفسه، بعد أن تسببت نفس الممارسات - التي تحدث السيسي معهم عن جبرها بعد استتباب الأمن - في استشهاد أكثر من 22 مشجعا للكرة في مجزرة الدفاع الجوي.

ورغم أن الرئاسة لم تحرك ساكنا، وتجاهلت صراخا ملأ الفضائيات بإقالة الوزير، واستكثرت على الضحايا شارة حداد أو كلمة عابرة يلقيها الرئيس، ولو من باب سد الذرائع، منشغلة بزيارة الرئيس الروسي عما سواها.

ورغم أن رئيس الحكومة اعتبر قتل 22 شابا مؤامرة من الضحايا ضد النظام، ومؤتمره الإقتصادي، حتى لو كان كل ذنبهم أنهم ذهبوا لتشجيع فريقهم، مع حلم بلحظة فرح، فلم يخلفوا وراءهم إلا صرخات أهاليهم، وحزنا خيم على الجميع، ومواكب عزاء، يبدو أنها ستطول، ووعد سيظل يتردد داخل الاجتماعات الرسمية القادمة بجبر ضرر لا يجبره إلا إقرار الحق والعدل.

رغم كل ذلك ظلت نفس الأحزاب – التي ما زال الكثيرون وأنا منهم يعولون على دورها بشرط إعادة تصحيح منهجها -  تحمل نفس المطلب ولنفس الشخص، الذي أعلن لهم بشكل واضح أن هذا منهجه، وهذه رؤيته، متجاهلا كل القتل اليومي الذي تمارسه أجهزة حكمه، منذ لحظة توليه للسلطة، بل واستمرارا لما كان قد أكده منذ إعلان ترشحه، وقبلها من خلال حمايته لجرائم الأمن في حق المواطنين.

تجاهلت الأحزاب التي ترفع راية معارضة السلطة الحالية، أن السيسي لخصها لهم قائلا أن الأولوية للأمن، رغم أن الثمن أرواحا يتم هدرها يوميا، وأسر تفقد عوائلها، وشباب يفقدون زهرة عمرهم ظلما وراء قضبان السجون، وأحلام بالعدل والحرية، يتم ذبحها على مذبح وعد بالأمن، لم يتحقق منذ أكثر من عام ونصف، ويبدو أنه لن يتحقق في القريب العاجل، في ظل سلطة هي استمرار لسلطة مستبدة فاسدة، شاخت عن أن تدرك أنه لا أمن بدون عدل،  فهي لا ترى إلا أمنها، وليس أمن من يتم قتلهم كل يوم على يد رجالها، ولم يبق لهم إلا التشويه من أبواقها الإعلامية، لمجرد أنهم كسروا نواميس النظام ولو بالفرجة على مباراة كرة قدم. فكل الخسائر من وجهة نظر سلطة السيسي ونظامه، يمكن جبرها حتى لو كانت وطنا صار مصيره معلقا على مذبح رؤية الجنرال.

2-   عودة الأسقف المنخفضة

موجة الغضب التي أعقبت مجزرة الدفاع الجوي، أعادتنا إلى أجواء عصر المخلوع مبارك، ومعارضته الهشة، وآلاعيب الأسقف المنخفضة.. فكل القوى تركت الجاني الأصلي، والمسئول الأول، عما جرى ويجري، وخرجت لتطالبه نفسه، بإقالة أحد معاونيه ومنفذي رؤيته، ومن أراد منهم المبالغة في المعارضة طالب بمحاكمة وزير الداخلية وتابعيه.. وكأن من خرجوا لمطالبته بذلك ليس هو من سكت عن كل جرائم الداخلية خلال الفترة الماضية، بل وكان حريصا على دعمها في مواجهة كل المطالبين بالحرية، والشباب الغاضب الذي لم ير من النظام سوى القتل، والقمع لتطول يوما بعد يوم طوابير الشهداء والسجناء والمعتقلين.

لم تقدم المعارضة سببا واحدا لتعويلها على السيسي، أو مطالبتها له باصلاح، أعلن بنفسه ومنذ اللحظة الأولى انه ليس ضمن برنامجه.. بل أنها عادت لتتعامل مع جرائم نظامه، بنفس الطريقة القديمة وقت حكم المخلوع مبارك، وكأن شعبا لم يخرج ليخلع رئيسيين بسبب نفس السياسات، وكأننا لم ندفع ثمن نفس الطريقة في التعامل، بسرقة موجات ثورية متلاحقة من أصحابها.

قررت كل الأحزاب التعامل مع المتهم الرئيسي، بوصفه الحكم بين السلطات، التي لم تتشكل حتى الآن، رغم أن من يتوجهون إليه بمطالبهم أغلق كل الأبواب أمام تشكل هذه السلطات من أصحاب الحق في تشكيلها، ( قوانين الانتخابات نموذجا).  وتناسى من رفعوا هذه المطالب إنه هو نفسه، المالك لكل السلطات التنفيذية والتشريعية منذ توليه الرئاسة رسميا، وهو ما يعني مسئوليته الكاملة عن كل الجرائم، والقرارات، التي اتخذت في عصره بدءً من الانحياز السافر لصالح الاغنياء، ورجال الأعمال على حساب الفقراء، ( قرارات زيادة الأسعار والتعامل العنيف مع مطالب الفئات المختلفة، في مقابل التغاضي عن جرائم مافيا الأراضي والفاسدين نموذجا) وانتهاء بدوامة القمع، والقتل، والتعذيب، التي عادت لتكون سلوكا منهجيا يوميا لتعامل حكومة السيسي وداخليته مع المواطنين وآخرها ما جرى على بوابات استاد الدفاع الجوي.

3-  التدليس على الجاني

ونست المعارضة ضمن ما نست إن المطالبات التي ترفعها للسيسي، ربما ترقى لحد التدليس على الجاني الحقيقي، إذا لم يتم صياغة خطة حقيقية لمنعه من مواصلة جرائمه ومحاسبته عليها، خاصة وأنهم يعلمون أنه صاحب القرار الوحيد في مصر الآن، على الأقل بواقع امتلاكه لجميع السلطات، ومن ثم فإن المطالبات بالإقالة والمحاكمة لمسئول فرعي مهما كبر، وسحبها من المسئول الأساسي عما يجري هو تواطؤ، ينسى أصحابه أن من أصدر الأوامر أو سكت عنها ودعمها هو الأولى بالمحاكمة والمحاسبة.

 لكن أهم ما نسته المعارضة ضمن مطالباتها أن من يطالبون بإقالته أيضا، هو أحد أضلاع مثلث (السيسي – محمد ابراهيم – رئيس جهاز مباحث أمن الدولة) تشكل منذ عصر الإخوان، وبإيديهم، واستمر حتى الآن بفعل العجز عن تقديم بديل واع للمستقبل، وهو ما يعني أن حتى مطالباتهم بإقالة الوزير لن تخرج عن حدود المطالبات وإبراء الذمة.. مالم تصحبها إجراءات واضحة وقدرة على الضغط لتغيير قواعد اللعبة السياسية كاملة.

 

4-   المعركة الرئيسية

على الجميع الإعتراف أن المعركة لم تعد فقط مع وزير مهما علا شأنه، ولو بزعم انه شريك في معادلة الحكم والجريمة.. فنحن أمام نظام يمثل خطرا حقيقيا على تماسك هذا الوطن، وعلى كل مطالب العدل والحرية والكرامة الانسانية التي خرج الملايين للمطالبة بها. نحن أمام نظام اختار منذ لحظاته الأولى، إعادة انتاج ما فات كاملا، ولم يعد ممكنا معه الخيار الذي لجأ له البعض، منذ الثالث من يوليو، وهو تأجيل الصراع للتخلص من خطر دولة دينية أشد استبدادا لاحت في الأفق، فربما تؤدي سياساته لو تم الصمت عليه لنفس الخطر، وإعادة تكريس خيار (أنا أو الإرهاب) على المدى البعيد، خاصة في ظل سيادة روح الثأر على تصرفات النظام، وجهازه الأمني الذي عاد ليفرض قواعده من جديد، وينتقم من كل من خرجوا يوما ليطالبوا بدولة عدل وحرية تتصدى لمظالمهم التي طالت الجميع.

منذ لحظاته الأولى وإعلان ترشحه، تعامل السيسي مع المطالبين بالحرية والديمقراطية، على أنهم هامش يمكن تجاوزه، بل وتجاهله، وسجنه، وقتله أيضا، وهو ما ظهر بوضوح في ردوده على الأسئلة الخاصة بقانون التظاهر والعفو على النشطاء خلال حملة ترشحه والتي أنهاها مؤكدا أن لكل حادث حديث.. معلنا للجميع كما كتبت وقتها أنه "الديكتاتور المنتظر".

كان رهان السيسي منذ لحظاته الأولى على معارضة ضعيفة، وها هي لم تخذله - ويبدو أنها مصرة على ضعفها بل وتكريسه- مدركا أن مجرد وجود رئيس قوي – كتبت ذلك وقتها أيضا - ربما يحسم أيضا معركة البرلمان لصالحه، ولو اعتمد على رموز الوطني القديم، وهو ما فعله السيسي، وقام بنفخ الحياة فيهم وحماية جرائمهم للحد الذي دفع أحمد عز، لإعلان ترشحه بعد أن تم تبرئة كل رجال نظام مبارك، وصولا لتبرئة كبيرهم، حتى لم يبق في السجون إلا من خرجوا على مبارك وحكمه.. فيما اكتفت المعارضة بتأكيدات كلامية للسيسي عن استحالة عودة نظام ما قبل 25 يناير، بينما هو يرسخ قواعد هذا النظام كاملة، بل ويؤسس من جديد لدولة أشد عنفا وقهرا.

 

5-   خطة عمل .. مرة أخرى

 

لقد آن الآوان لتدرك كل قوى المعارضة الحقيقية أن معركة الثورة الرئيسية لم تتغير، في ظل نظام يصر على إعادة انتاج ماضيه، بعد 4 سنوات من خلع رئيسه في 11 فبراير 2011.. ففي ظل الإصرار على تجاهل كل مطالب الاصلاح والعدل والحرية بدعوى تحقيق أمن لا يتحقق، ومحاولات إعادتنا للمربع صفر، وإعادة الدولة القمعية القديمة بشكل أشد عنفا وشراسة واستبدادا، لا يكون الحل هو إعادة انتاج نفس المعارضة الكارتونية الهشة القديمة بأدواتها، وإنما تطوير الأدوات ووضع خطة عمل حقيقية - نشرت ملامحها سابقا وأعيد نشرها ثانية للحوار حولها – خطة تستوعب كل القوى الديمقراطية المؤمنة بالثورة، والحالمة بتحقيق أهدافها، في الاحزاب، والحركات الثورية والاتحادات الطلابية، والنقابات العمالية المستقلة، ومنظمات المجتمع المدني التي يسعى النظام الحالي لتفكيكها وإضعافها في كتلة واحدة.. وأن يعلن هذا التحالف فورا مقاطعته لكل أعمال السلطة الحالية ومحاولاتها لاستعادة دولتها القديمة، والعودة للعمل في الشارع من جديد وإعادة الاعتبار للعمل على الأرض وبين الناس دون استسلام للقواعد التي يتم فرضها على الجميع..  وعليه أيضا إيصال رسالة للسلطة الحالية بأن محاربة الإرهاب لا تكون بتوسيع مساحات القمع، بل محاسبة من يقومون بذلك وتقديم حلول شاملة اجتماعيا وسياسيا وبترسيخ قواعد الحرية، وفتح المجال العام أمام عمل سياسي حقيقي بما يضمن إشراك المجتمع ودخوله كطرف في مواجهة الإرهاب وبناء مستقبله.

كما يجب على هذا التحالف أن يضع أجندة عمل قصيرة الأجل لانجازها خلال الشهور القادمة، من خلال عمل سياسي حقيقي على الأرض، يأتي على رأس أولوياتها فضح ممارسات السلطة الحالية وسعيها لبناء نظام ديكتاتوري، وفضح زيف تحركاتها وانحيازاتها، وكشف الغطاء عنها، والضغط لإطلاق سراح المعتقلين، ووقف التعذيب، والقتل الذي تمارسه السلطة بدم بارد، وإعادة هيكلة أجهزة الأمن ورد الاعتبار للعمل السياسي عبر تحرير المجال العام بإلغاء قانون التظاهر، وتحرير المجتمع المدني والأحزاب بقوانين جديدة تتيح لها حرية الحركة.. ووضع خطط عاجلة لتخفيض الأعباء على الفئات المهمشة والفقيرة، ورفع المعاناة عنها وانفاذ بنود الدستور الذي تم الاستفتاء عليه في مجال العدالة الاجتماعية، والبدء في إعادة محاسبة الفاسدين والقتلة عبر إجراءات عدالة انتقالية ناجزة تنتصر لأصحاب الحقوق.

 

6-    الحركة الواعية

نحتاج معارضة تستفيد من دروس 11 فبراير في ذكراها الرابعة، و3 يوليو، عبر فضح ممارسات سلطة حاولت سرقة الثورة لصالحها مرتين، والعمل على محاسبة كل الفاسدين والقتلة الحقيقيين ومعاونيهم - مهما علا شأنهم - في كل العصور من مبارك للمجلس العسكري ومرسي والإخوان وحتى مذبحة الدفاع الجوي عبر إجراءات عادلة انتقالية ناجزة تنتصر لأصحاب الحقوق. وألا تتوقف المحاسبة على جرائم السنوات الأربع الأخيرة، ولكن على كل ما اقترفوه من افقار وتعذيب وقتل للمواطنين خلال الثلاثين عاما السابقة للثورة.

فإما عدل كامل وحرية ووعي على مقاس التضحيات، وإما إعادة انتاج ما فات بأيدينا، وهدم وطن على مذبح رؤية فاشية لـ جنرال قادم من عصور الديكتاتورية السحيقة، أو إعادة تسليمها لمدعي تدين يحاول تأسيس ديكتاتوريته من جديد، ولو على أنقاض دولة وثورة يزعم أنه يدافع عنها بينما كان في مقدمة من خانوها.   

كل المؤشرات تشير أننا أمام نظام لا يرى إلا نفسه، نظام صار خطرا ليس على الحالمين بالعدل والحرية فقط، بل على كل المواطنين من حاملات الورود وحتى مشجعي الكرة، والعابرين في الميادين، بل وعلى الدولة وتماسكها مثله مثل سابقيه من مبارك للإخوان. وعلينا التصدي لكل ذلك بقراءة واعية لواقعنا وامكانياتنا واختيار حلفائنا وتحديد مسارات واضحة لحركتنا وعدم استعجال النصر، وإذا كتب لنا يوما إدراكه فلا عودة دون انجاز مهمة اقتلاع النظام كاملا، دون انتظار لحلول كتبت بقواعد ماض لا حل إلا محوه وتغيير كل قواعد لعبته.

وكل 11 فبراير وأنتم طيبين وقادرين على خلع كل مستبد، والتصدي لكل سارقي الثورات.

مرة أخرى.. الرحلة الجديدة بدأت وعلى المسافر أن يتزود بزاد الثورة الواعية.

إقرأ ايضا :

خالد البلشي يكتب بعد براءة مبارك: إني أرى نهايتهم.. ملامح خطة العودة للميدان

http://albedaiah.com/articles/2014/12/27/50686

 

خالد البلشي يكتب: قراءة في حوار السيسي .. أنا الديكتاتور المنتظر

http://albedaiah.com/node/47609

 

خالد البلشي يكتب: مقال مستطرد عن الثورة المصرية.. ملامح الموجة الثالثة

http://albedaiah.com/node/46236

 

 

التعليقات
press-day.png