رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب عن قانون الاستثمار الجديد: و أنا أُذُني يَقِظَةْ

ظلامٌ دامس لا يهتك نقاءهُ سوى ضوء خافت من مصباحٍ كهربي علي يسار المكتب العتيق..صمتٌ مُطبقٌ لا يقطعه سوى صوت رياحِ الفجرِ في "مارس".. أعددتُ العُدة كما لو كنت أدخلُ علي قَدمَيَّ حقلَ ألغامٍ أو غابةٍ أسطوريةٍ يقبع شبحٌ وراء كلِ شجرةٍ من أشجارها في عتمةِ ليلٍ حالك..وضعت خطة البحث/ النقد العلمية، ثم شرعت في القراءة لأجد نفسي و قد غيرتُ كل شيئ، فأطلقتُ لعقلي و قلبي عنانَ النقد بلا قيود..لم أهتم متى سأنتهي و لا كيف عساه يكون سبيل الخروج من تلك الغابةِ المُوحِشة..إنها تعديلات قوانين الإستثمار.

منذ أيامٍ قامت وزارة العدالة الإنتقالية ،التي تفعل كل شيئ عدا "العدالة الإنتقالية"، بإعداد مشروعِ قانونٍ موحدٍ للإستثمار تم تسريبه عبر أحد المواقع الإلكترونية و كان يحتوي علي واحد و ثمانين مادة بائسة منحت مجلس إدارة الهيئة العامة للإستثمار إختصاصاتٍ شبه إلهية لم يكن ينقصها سوي حيازة مفاتيحِ فراديسِ الأرضِ و السماءْ.. نصوص تتناقض بوضوحٍ تامٍ مع أحكام الدستور، و نصوصٌ أخري تحظر تعديل أسعار أراضي الإستثمار بعد التعاقد عليها (حتي و إن كان الفساد يكتنفها)، و نصوص ثالثة تمنح مجلس الوزراء صلاحية تخصيص أراضٍ دون مقابل و منح مزايا أخري إضافية غير ضريبية مع السماح للشركات بتملك الأراضي و العقارات أياً كانت جنسية الشركاء أو المساهمين.

مرت بضعة أيامٍ إلي أن أتانا ذلك اليوم الحزين.. نعم، كان حزيناً ذلك الأربعاء..عبوات ناسفة بالشوارع..حريق هائل بقاعة المؤتمرات ثم..ما أخرجه مجلس الوزراء الذي كان مجتمعاً عن بَكْرةِ أبيه ليُقرَ مواداً إستُنبطت من مشروع قانون الإستثمار الموحد الذي أعدته "الإنتقالية" فيعيد توزيعها علي قوانين متعددة حتي لا يصير من السهل حصرها ثم نقدها من مصدرٍ واحدٍ. إليكم أهم ما نُشِرَ بالصفحة 21 من جريدة الأهرام الصادرة صباح الخميس من تعديلات علي قانون ضمانات و حوافز الإستثمار (قانون 8 لسنة 1997) و قانون الشركات (قانون 159 لسنة 1981) و قانون الضريبة العامة علي المبيعات (قانون 11 لسنة 1991) و قانون الضريبة علي الدخل (قانون 91 لسنة 2005) :

·       "يجوز التصالح في الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات".(المقصود هو جرائم المال العام)

·       "خلال فترة خمس سنوات تنتهي في أول أبريل من العام 2020 يجوز لأغراض التنمية دون غيرها و في المناطق التي يصدر بتحديدها قرار من رئيس الجمهورية عد موافقة مجلس الوزراء، التصرف دون مقابل في الأراضي و العقارات الملوكة للدولة ملكية خاصة للمستثمرين الذين تتوافر فيهم الشروط الفنية و المالية المحددة، و يسري ذلك سواء كان التصرف دون مقابل بنظام حق الإنتفاع أو بالتملك أو بأي صورة أخري من صور التصرف المشار إليها المادة 72 من هذا القانون".

·       "مع عدم الإخلال بالتصرفات التي تمت قبل تاريخ العمل بهذا القانون، يكون للشركات و المنشآت الحق في تملك الأراضي و العقارات اللازمة لمباشرة نشاطها أو التوسع فيه أياً كانت جنسية الشركاء أو المساهمين أو محال إقامتهم أو نسب مشاركتهم أو مساهمتهم في رأسمالها، و ذلك عدا الأراضي و العقارات الواقعة في المناطق التي تنظمها قوانين خاصة أن يصدر قرار بتحديدها من مجلس الوزراء علي أن يحدد هذا القرار شروط و قواعد التصرف فيها".

فضلاً عن سلطات الهيئة شبه الإلهية و تحصين العقود و المزايا الضريبة و الإعفاءات الجمركية التي تضيع علي المال العام مليارت كان أغنياء العالم أولي من فقراء مصر بدفعها نتيجة عملهم و أرباحهم التي سيتحصلون عليها مما سيبيعون لنا من سلع إستهلاكية تدمر الإدخار و تهدر فائض القيمة و تحتجز التطور التنموي الذي حلمنا به يوماً، ها هي التعديلات الجديدة تجيز التصالح في جرائم التربح و إختلاس المال العام و الإضرار العمدي و غير العمدي به و التي لا ينبغي التصالح بها أبداً..ها هي التعديلات الجديدة تمنح الحق في التصرف –بدون مقابل- بالبيع أو الإيجار أو الإيجار المنتهي بالتملك أو الترخيص بالإنتفاع أو المشاركة بالأرض..ها هي التعديلات الجديدة تسمح لكل من يمتلك مالاً أياً كانت جنسيته -حتي و إن كان من أعدائنا الصهاينة- أن يتملك أراضٍ و عقاراتٍ مصرية.

أزال ضوءُ النهارِ عتمة الغرفة، فأطفأت المصباح و رُحتُ أردد ما قاله "نجيب سرور" ذات يوم حين إستشرف الخراب و الدمار و غبار المذبحة:

"يا سيدتي الأفعي

اللهجة من أعماق الشام

لكنَ العبريةَ بومٌ ينعق في ذيلِ الكلمات

و أنا أُذني يَقِظَةْ"

التعليقات
press-day.png