رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: كلام في الثورة

"عن أي ثورةٍ مُنتصرةٍ تتحدثون..لقد أطحنا بالقيصر وأطاحت الثورة الفرنسية بالملك في 1792 لكن مازال الرأسماليون يملكون المصانع، وما زال الإقطاعيون يملكون الأرض، ومازالت الحرب مُستمرة"..كان هذا هو رد "لينين" عندما قال له رئيس السوفيتات في بتروجراد الذي استقبله بالورود في أبريل 1917: "نرحب بكم بإسم الثورة المنتصرة".

و أزعم أن هذا هو شأن كلُ حراكٍ إجتماعي عَرِفَهُ التاريخ. يتطور الحراك الإجتماعي متحولاً إلي ثورةٍ عندما يبدأ فعلاً -لا قولاً- في فرض أبجدياته علي أرض الواقع مُغَيراً في علاقات الإنتاج واضعاً قواعد عملٍ لدولةٍ جديدة تحكمها مؤسساتٍ جديدة يُنشئُها رجالٌ جدد وفق قيمٍ جديدة. إن لم تتحقق تلك المعادلة بكامل إحداثياتها "مجتمعةً" (قواعد..مؤسسات..رجال..قيم جديدة)، فأنت إذن أمام إرهاصاتِ ثورة تَقبلُ التراكم و البناء عليها شيئاً فشيئاً أو الإرتداد و التقهقر لإعادة الوضع إلي ما كان عليه من قبلِ بدء فِعلِ الحراك الإجتماعي. يتوقف التطور -سلباً أو إيجاباً- علي مستوى إمتلاكِ اللاعبين الأساسيين لأدوات فرضِ إحداثياتِ معادلتهم "مجتمعة" أو قدرتهم علي المناورة و إحتمال الوقت ثم جَنْيِ المكاسب تدريجياً و بشكل تراكميٍ واعٍ.

مَرَ حراكنا الإجتماعي في مصر بثلاث مرحل:

-     المرحلة الأولي و هي مرحلة إحتجاز الحراك الإجتماعي عند حدود "الإنتفاضة" و الحيلولة دون تطوره وفقَ إحداثيات معادلة الثورة (قواعد..مؤسسات..رجال..قيم جديدة). قد نجحت القوي التقليدية بالتعاون مع قوي الرجعية في تحقيق أهداف تلك المرحلة بإمتياز من خلال إستهلاك وقت و إستنزاف جهد القوي الطامحة للتغيير و إلهائها في معارك سعت فيها لنيلِ حريات سياسية فقط مع إبعادها عن تطوير طروحاتها (إن وُجدت) بشأن العدالة الإجتماعية حتي لا يكون هناك مُبرر موضوعي و واقعي و ملموس لما حدث في يناير/فبراير 2011 تمهيداً للدخول في المرحلة الثانية.

-     المرحلة الثانية و هي مرحلة "شيطنة" و "حرق" رموز الحراك الإجتماعي إستغلالاً لحالة الفُرقة بين رفاق الميدان و الإخفاق الشديد في تحقيق ما طرحوه من شعارات، إذ لا حريات سياسية نالوا و لا عدالة إجتماعية حققوا، لتبدأ القوي الشعبية التي شاركت في الحرراك الإجتماعي أو حتي تعاطفت معه في التساؤل وقد بدأ الملل و الإنهاك يتسرب إليها في ظل حالة إقتصادية متردية و أمنٍ مُفتقدٍ و طائفية بغيضة كادت أن تتسبب في حرب أهلية: "فيمَ إذن كان حراكنا؟"

-     المرحلة الثالثة هي مرحلة محاولة "شطب" ما حدث في يناير/فبراير 2011 -لا من "دفتر" التاريخ بل من عقول المصريين و قلوبهم- كنتيجةٍ منطقيةٍ لنجاح مرحلة "الشيطنة". و هنا يجب أن تتوقف قوي التغيير قليلاً لتتفكر، فتتدبر و ترسم خطاها القادمة و إلا فإنها نهاية الحُلم، ليعود كل شيئ إلي ما كان عليه قبل يناير/فبراير 2011 عدا بعض تغيير في الوجوه لا السياسات. نعم، كان الخلاص من زعيم اللصوص و راعي الفساد و المفسدين "مبارك" و عصابته أحد أمانينا، لكن ممارسات نظامه القمعية علي المستوي السياسي و أداءاته الظالمة علي المستوي الإجتماعي كانت هي سبب تراكم الغضب و دافع حراكنا الذي وصل إلي ذروته في يناير/فبراير 2011.   

علينا أن نبتدع وسائل مختلفة لإنجاز قواعد جديدة..مؤسسات جديدة..رجال جدد..قيم جديدة. لا توجد ثورة مُجتزئة أو منقوصة..إما ثورة ناجحة أو لا ثورة علي الإطلاق، و مازال في العمر بقية فالشعوب لا تموت.

التعليقات
press-day.png