رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

عقيد د. محمد محفوظ يكتب: تضامناً مع المصري اليوم.. أعيد نشر مقالي "الشرطة.. بين إزدواجية الانحياز للجماهير والتعصب للمؤسسة"

من الواضح أن البعض لا يفهم رسائل السماء أو ربما يتجاهلها . ﻻ يفهمها فيتعامل معها باعتبارها جواز مرور للسير في نفس الطريق القديم . أو يتجاهلها متغافلاً عنها استهتاراً ، أو متعالياً عليها كبرياءً .

ولقد كانت عودة جسور الثقة بين جماهير المصريين وجهاز الشرطة في 30 يونيو 2013 بمثابة هدية من السماء ، اختصرت كثيراً من الوقت والجهد ؛ لرأب الشرخ الذى تكون على مدى سنوات ﻻنحياز الشرطة للنظام على حساب الشعب ؛ ولإنهاء الخصومة الثأرية التى أفرزتها أحداث ثورة 25 يناير 2011 .

ولكن للأسف ؛ فإن قوانين الواقع تثبت بأن السياق الحاكم والمناخ القائم والقواعد الراسخة أقوى من التوجهات والميول غير الرسمية ؛ حتى وإن كانت محبذة لدى القاعدة العريضة فى أى مجتمع أو أى مؤسسة ؛ أو أى جهاز كجهاز الشرطة . لأنه بينما فهمت القاعدة العريضة من ضباط وأفراد ومجندي الشرطة رسالة السماء التى كانت بمثابة هدية تتيح لهم العودة مرة أخرى لأحضان الشعب ، إلا أن السياسات الأمنية والإجراءات الشرطية لم تتغير لتواكب العهد الجديد ، فكانت مثل الحاجز العالي الذى يمنع الخروج من الدائرة القديمة الكريهة رغم صدق النوايا وحسن المقاصد .

الأمر يشبه الحالة التى يعيشها مدخن قرر مخلصاً البدء فى الإقلاع عن التدخين ، ولكن السياق المجتمعى المحيط به يسمح بالتدخين فى كل مكان ، والدائرة الاجتماعية أو الوظيفية المحيطة به لا تستهجن التدخين ، وبالتالي فإن النتيجة المحتومة هى عودة هذا الشخص إلى التدخين ، فالواقع والسياق والقواعد أقوى من التوجهات والميول والنوايا الحسنة !!

وبنفس المنطق ؛ فإن الواقع يقرر بأن الشرطة انحازت بكل شرف للجماهير فى 30 يونيو 2013 وأدارت ظهرها لنظام الإخوان الإرهابي ؛ أى أنها بدات بالفعل أولى خطوات الإقلاع عن التدخين مثل صاحبنا المدخن سالف الذكر ، ولكن رغم ذلك الانحياز فإن السياق والمناخ والسياسات والإجراءات التى تعمل فى ظلها الشرطة مازالت كما هي لم تتغير ، وبالتالى يصبح استمرارها فى انتهاج نفس ممارساتها القديمة أمراً حتمياً ، تماماً مثل ذلك المدخن العائد .

- فمازال الغياب الأمني عن معظم الشوارع المصرية مستمراً ، ولا يوجد بكافة محافظات مصر حتى الآن نظام متكامل لخدمات الطوارئ يوفر انتشاراً أمنياً من خلال دوريات مستمرة مربوطة لاسلكياً بغرف عمليات فى حالة استنفار دائم ، بما يضمن الانتقال السريع لأماكن البلاغات للتصدى لها وضبط مرتكبيها ، أو يحقق حالة من التواجد الأمني الرادع بما يقلص من ممارسات الخروج على القانون .

- ومازال الإهمال الفادح مستمراً فى مجالي الأمن الاقتصادي والأمن الاجتماعي ، وهما المجالان المرتبطان بأعمال الناس وأموالهم وأملاكهم وأنفسهم وأعراضهم ، فمعدﻻت جرائم التعدى على النفس والمال وشيوع الرشوة والفساد والاعتداء على أملاك الدولة والمرافق العامة ؛ كلها معدﻻت مرتفعة فى مقابل تدنى معدﻻت ضبط مرتكبيها .

- ومازال هناك استمرار فى المعاملة غير الودية أو العنيفة أو المهينة للمتعاملين مع أقسام وجهات الشرطة .

- ومازال هناك استمرار فى الإجراءات البيروقراطية العقيمة التى تسمم على الناس حياتهم وتضيع وقتهم ؛ داخل معظم الجهات الشرطية الخاصة باستخراج تراخيص المركبات وقيادتها واستخراج وثائق الأحوال المدنية وتصاريح العمل وجوازات السفر ورخص السلاح .

- ومازال هناك تسيب وفساد يمنع اﻻرتفاع بمعدﻻت تنفيذ الأحكام وضبط المحكوم عليهم الهاربين ، نتيجة الإهمال أو شيوع الرشوة والتربح بين بعض رجال الشرطة.

- ومازال هناك تدنى فى مستوى المعايير الإنسانية المطبقة فى أماكن الاحتجاز وفى السجون ، وفى الأساليب والإجراءات التى تتم من خلالها عمليات نقل المتهمين إلى مقرات النيابات والمحاكم .

- ومازال هناك ضعف فى مستوى التدريب لقوات الأمن المركزي ، بما يؤدي إلى عدم قدرتها على استعمال أساليب إحترافية غير قاتلة عند التصدي لفض الشغب أو تفريق المظاهرات أو التجمعات غير القانونية .

إذن ؛ كل هذه الممارسات السلبية المستمرة تتناقض بزاوية قدرها 180 درجة مع الصورة المبهرة المشرفة لانحياز جهاز الشرطة للجماهير فى 30 يونيو 2013 .

ولذلك سيصعب على المواطن البسيط أن يتفهم بمرور الوقت هذه الإزدواجية التى عاد بموجبها جهاز الشرطة إلى أحضان الشعب ؛ ولكنه رغم ذلك مازال كسابق عهده يهمل أو يتجاوز فى حق هذا الشعب .

سيصعب على المواطن البسيط أن يتفهم هذه الإزدواجية التى تجعل العاملين بجهاز الشرطة يبذلون أرواحهم الغالية لحماية هذا الشعب من خطر الإرهاب ؛ بينما هم أنفسهم الذين يتورط بعضهم فى إزهاق أرواح بعض أبناء هذا الشعب نتيجة الإهمال أو الرعونة أو ضعف التدريب أو الاستعلاء أو عدم الالتزام بالقانون ؛ ويتورط البعض الآخر منهم فى الصمت المشين على تجاوزات زملائهم أو إخفاء الأدلة لدرء التهمة عن مرتكبيها وتسهيل إفلاتهم من العقاب .

بالطبع من حق البسطاء أن يتحيروا ويلتبس عليهم الأمر ؛ وبالتالى ﻻ يصلوا إلا إلى النتيجة البسيطة التى مفادها : أن جهاز الشرطة مازال على سابق عهده ؛ يكافح الإرهاب ؛ ولكنه ﻻ يستطيع أن يكافح آفة مزمنة وكريهة هى : آفة التعصب للمؤسسة .

نعم ؛ آفة التعصب للمؤسسة .. تلك الآفة التى تجعل جهاز الشرطة يعاني ؛ ويعاني معه المجتمع ؛ من إزدواجية الانحياز للجماهير والتعصب للمؤسسة .

وبالطبع هذه الإزدواجية متوطنة فى كافة المؤسسات المصرية مهما تباينت مجالات عملها سواء أكانت خدمية أم امنية أم عسكرية أم قضائية أم دينية .. الخ.

ولذلك لا يفسر مصطلح ( الدولة العميقة ) بمفهومه البغيض التركى المنشأ ؛ حقيقة العلاقة التاريخية والمعاصرة بين الدولة المصرية ومؤسساتها ؛ فالمؤسسات كانت وﻻ زالت فى خدمة الدولة حقاً ؛ ولكن ولاءها كان دائماً لنفسها ؛ ورغم أنها كانت دائماً فى خدمة الحاكم ؛ إلا أنها كانت الأقوى بحكم البقاء ؛ فالحكام زائلون والمؤسسات باقية ؛ تبنى ثقافتها وتقاليدها ؛ ليستمر الولاء فقط لثقافة المؤسسة وتقاليدها .

مصطلح الدولة العميقة بمفهومه الإيجابي فقط ؛ هو الذى ينطبق على الدولة المصرية ومؤسساتها ؛ لأن رسوخ تلك الدولة من قديم الزمن ؛ منح مؤسساتها القدرة على مد وتشبيك وتعميق جذورها .

بينما مصطلح ( ثقافة المؤسسة ) وتقاليدها بمفهومه السلبى ؛ هو الذى يصلح لوصف ما تلاقيه أى محاولة للإصلاح فى مؤسسات مصر من معارضة وممانعة .

لذلك ستبقى ثقافة المؤسسة هى الفيروس الكامن داخل كل مؤسسات الدولة المصرية - بدون استثناء - الذي يضعف مناعتها ويجعلها تسقط في فخ التعصب للمؤسسة .

أليس الأزهر الشريف كمؤسسة مثالاً واضحاً للممانعة التى تلاقيها أى دعوة للتغيير تحت وطأة الانسياق لآفة التعصب للمؤسسة بثقافتها وتقاليدها ، بما يوفر الحماية ويضفي القدسية على مجموعة من النصوص البشرية المسيئة للدين والمتجرأة على القيم السامية والغايات النبيلة .

أستطيع أن أزعم إننى أعلم بحكم خلفيتى الوظيفية الشرطية المأزق الإنساني والأخلاقي الضاغط على القاعدة العريضة من ضباط وأفراد الشرطة ، فرغم أن التجاوزات التى يتعرض لها المواطنون تقوم بها فئة من ضمن هذه القاعدة العريضة ذاتها ، إﻻ أن المسئول الحقيقي عن استمرار تلك التجاوزات هي السياسات الأمنية المتكلسة والإجراءات الشرطية العقيمة التى يحافظ من بيدهم الأمر على استمرارها ؛ نظراً لاستسلامهم لممارسة دور الكهنة فى معبد التعصب للمؤسسة بثقافتها وتقاليدها .

وبالتالي ؛ ستظل القاعدة العريضة من ضباط وأفراد الشرطة مثل التروس فى جهاز خربان ﻻ تخرج منه إﻻ خدمة أمنية غير مطابقة للمواصفات ؛ رغم الدماء الشريفة التى سالت ومازالت تسيل من أجل الانحياز للشعب ومن أجل حماية كل المجتمع من الإرهاب .

وهكذا تؤدى آفة التعصب للمؤسسة إلى عدم القدرة على استثمار الثقة التى اكتسبتها أجهزة الأمن نتيجة انحيازها للجماهير ؛ ومن ثم تفويت الفرصة على عملية إصلاح وتطوير الأجهزة الأمنية بأقل كلفة ممكنة .

كما تؤدى إلى انغلاق المؤسسة الأمنية على ذاتها ؛ ومن ثم دفع المجتمع للتعامل معها - حتى رغم استمرارها فى دفع فاتورة الدم لاستئصال الإرهاب - باعتبارها طائفة أو إقطاعية مسكونة بآفة التعصب لثقافتها وتقاليدها وقياداتها وضباطها وأفرادها ؛ والطرمخة إن لزم الأمر على انتهاكاتهم وتجاوزاتهم بدلا من كشفها ومواجهتها .

قد تكون ( آفة حارتنا النسيان ) كما قال الراحل الملهم : نجيب محفوظ .

ولكن يبدو أن النسيان مجرد نتيجة لأسباب متعددة ، واحد منها اسمه : التعصب للمؤسسة .

 *****

dr.mmahfouz64@gmail.com

التعليقات
press-day.png