رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

محمد مصطفى موسى يكتب: وزارة الزبالة

الدعاية هي فن التأثير في الغرائز الفطرية للجماهير، بخطاب مصمم سيكولوجيًا بحيث يدغدغ مشاعر الغوغاء، فينساقون إلى مواقف ما، يحسبون أنهم اتخذوها بمحض إراداتهم، لكنهم واقعيًا مسيّرون إليها كالمنومين مغناطيسيًا.

 

ذاك تعريف الزعيم النازي هتلر للدعاية في كتابه الشهير "كفاحي" الذي اقتفته فيما بعد تجارب الحكم الفاشية كلها، ومنها مصر بالطبع، لشحن مشاعر المجتمع عبر خطاب تعبوي يستزرع الأوهام في الأدمغة، كما يفعل فص أفيون يستحلبه مدمن.

 

في التجارب الفاشية حتى نهايات الألفية الماضية، كانت الدعاية فوقية، تأتي من أعلى إلى أسفل، يحدد بوصلتها القامعون عبر وسائل إعلام مملوكة للدولة أو لهم لا فرق، لكن مع نمو شبكات التواصل الاجتماعي، أصبحت الدعاية ذات اتجاهين، أو فوضوية في كل الاتجاهات تمامًا كشوارعنا التي يقال إنها تنعم بانضباط مروري مشهود بعد الثلاثين من يونيو، ويراد منا أن نصدق وإلا أصبحنا خونة وعملاء ومأجورين.

 

صناع "الدعاية الجديدة" ينقسمون إلى فرق ونُحل، منهم موالون للسلطة كعناصر اللجان الإلكترونية، الذين نشم رائحة الجهالة فيما يكتبون، ومنهم أتباع جماعة الإخوان ممن ينهقون بأن مرسي راجع، وهناك إلى جوار هؤلاء وأولئك، نجوم "فيسبوكيون" و"تويتريون" يكتبون ويغردون فينقل عنهم دراويش مريدون، ومع التواتر وكثافة "الشير"، كثيرًا ما تلبس الأوهام "لبوس أو لباس" الحقيقة.. ولا تدع عقلك يذهب بعيدًا.

 

ورغم الدور الكبير لهذا النمط الدعائي في صناعة الرأي العام، لم تبد المكتبة العربية حسب علمي، اهتماما أكاديميًا به، فنحن مشغولون بما هو أهم مثل فقه التطهر من الجنابة، والجماع الحلال والحرام، وإرضاع الكبير، وكيف يواقع الرجل زوجه؟ ما إلى ذلك من قضايا محورية ستحقق لنا الريادة أو بتعبير إخواني الأستاذية.. ما علينا.

 

عقب استقالة وزير العدل صابر محفوظ، على خلفية تصريحه المجرم بأن وظائف الشامخ ليست لأبناء جامعي القمامة، أشيع على نطاق واسع بأن الاستقالة تأتي إثر ضغط الغضب الشعبي، وتفشت "طنطنات إلكترونية" دعائية بأن حروفًا كُتبت على لوحات المفاتيح، وعبارات متشنجة ضاعت في الفضاء الإلكتروني قد أطاحت بالوزير، ونتيجة لذلك الزعم، شعر قطاع من المعترضين على "العك" الحالي بانتشاء عميق، متوهمين أنهم كسبوا نقطة في حرب ضد القمع الواقع.

 

 واقعيًا إن شيوع هذا الاعتقاد يمكن تأويله، لا القبول به، بأنه رد فعل طبيعي لمرارات الإحباط الناجمة عن الوقوع بين براثن سلطة متوحشة، تصعر خدها للناس، و"تتفرعن" عليهم، وترمي بمطالبهم في الحرية والعدالة وراء ظهرها، مقتفية بإخلاص مقولتي المعزول محمد مرسي "أنا جلدي ثخين"، وسلفه المخلوع مبارك في  "خليهم يتسلوا".

 

إن الغريق يتعلق بقشة، والتائه في الصحراء يقتفي السراب حتى الرمق الأخير، لكن القشة لا تنقذ غريقًا والسراب لا يطفئ غليلًا، وما يؤخذ بأنه رد فعل منطقي، ليس بالضرورة مسلمًا به، فالوزير لم يترك منصبه بقرار إقالة، كان لازمًا استصداره فور التصريح المجرم، على الأقل لردع آخرين ممن يحسبون أن الله سواهم من زمرد وياقوت، وغيرهم من سلالة من طين، كما أنه بعدئذٍ لم يتكرم حتى بمحض اعتذار عن كلامه الطبقي المتعفن، بل كرر تصريحاته مؤكدًا تمسكه بها.

وبدوره لم يعتذر إبراهيم محلب رئيس الحكومة، عن صفاقة وزيره، واكتفى بتصريح لزج كبطن ضفدع، أعلن فيه قبول الاستقالة، ومن ثم التأكيد على أن الرجل الكفء آثر الابتعاد عن الضجة بإرادته، والأكثر من ذلك نفى وجود تدخل من الرئاسة لبصق الوزير خارج الحكومة، ما يُفهم منه أن التصريح الحقير لم يسترعِ انتباه المشير المدني المنتخب الذي يردد بمناسبة، ومن دون مناسبة، كلامًا عاطفيًا طريًا لا يضاهيه إلا أغاني الحب الشعبية ومنها "يا شبشب الهنا".

إذن.. فليعين كل "كبير منصبًا دنئ أدبًا" أهله وذويه وصاحبته وبنيه في الوظائف بعيدًا عن معايير العدالة، فهو آمن.

وليتطاول كل ذي منصب رفيع على عباد الله، فهو آمن.

وليلعن كل ذي مقام سامٍ جموع الشعب، كيفما يروق له، وإذا ضجر بجعجعة الغاضبين، فبوسعه الاستقالته والعودة إلى بيته ليتمتع بمعاش ما بعد الخدمة، وهو آمن.

وهكذا تتشرعن قوانين "تطفيف الكيل والميزان"، وتحكم دولة الأسياد التي استن فيها وزير الطيران حسام كمال بسُنة وزير العدل، حتى جهر "بوجه مكشوف" أمام جموع الطيارين المحتجين على عدم تعيينهم، بأنه منح ابنه في مصر للطيران -كأنها عزبة أبيه- وظيفة بآلاف الدولارات راتبًا، ثم مضى يقول: "استأذنت محلب واللي مش عاجبه يضرب راسه في الحيط".

أي نصر تحقق ذاك إذن الذي جاءت به استقالة وزير العدل؟

نحن مأسورون لدى فاشيين يحكمون وفق مقولة الطاغية الحجاج بن يوسف  "سأضربكم بالنعال يا شعب النعاج"، وليس لأبناء الكادحين في الأرض بشرف، ممن يحصلون على كسرة الخبز العسيرة بالعرق والدم، مهما أوتوا من العلم وبلغوا من النبوغ أن يرتقوا منصة الشامخ، أو أن يرتدوا بدلة الضابط، أو أن يتوهموا أن متاحًا لأمثالهم أن يتقلدوا حقيبة وزارية إلا في حال قرر القامعون بأمرهم استحداث وزارة للزبالة، أو في حال ذهبوا هم إلى الزبالة، والثانية أقرب.

 

التعليقات
press-day.png