رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

محمد مصطفى موسى يكتب: الثورة في الملعب

كان الوقت يعدو مسرعًا بالنسبة لمشجعي الأهلي، الدقائق "معجونة بماء عفاريت"، تتسرب من بين أياديهم كالماء من قربة مليئة بالثقوب، وكان بالنسبة لجمهور الزمالك ثقيلًا كأنه ليلٌ كموج البحر أرخى سدوله، أو كأن نجومه مربوطة بحبال تثبتها في كبد السماء، حسب وصف شاعرنا امرؤ القيس في معلقته.

الأبيض متقدم على الأحمر بهدفين لهدف، في مباراة فاصلة بنهائي كأس مصر سنة ألف وتسعمائة وثمانية وسبعين، وكان الفريقان آنذاك يضمان نخبة من أمهر "حواة" الساحرة المستديرة، فكتيبة الأهلي فيها طاهر الشيخ ومصطفى عبده وزيزو والخطيب، بينما يلعب للزمالك حسن شحاته وفاروق جعفر وعلي خليل.

كنت آنذاك طفلًا، أزور بيت جدي لأبي بمنطقة كوم الدكة الشعبية بمسقط رأسي الإسكندرية، لست معنيًا بكرة القدم، لكن هذا لم يحُل دون انتقال عدوى الحماسة العامة والعارمة إلى نفسي الغريرة، حتى صرت أشجع الأهلي كمعظم أفراد عائلتي صامتًا، كدأب طفل صغير استغرقته هواية القراءة مبكرًا، وجعلته متأملًا أكثر مما هو ثرثار صاخب، خلافًا لأقرانه.

ومع تعقد الموقف، واقتراب المباراة إلى خط النهاية، اضطر المدير الفني المجري للأهلي هيديكوتي إلى الدفع بكل من الخطيب وطاهر الشيخ معًا، وكانا يعانيان من إصابة، لكنها أصرا على المشاركة، وبنزولهما إلى المستطيل الأخضر، انقلبت الموازيين، تفككت دفاعات الزمالك، وتلاعب الشياطين الحمر بخصومهم، لتنتهي المواجهة بفوزهم بأربعة أهداف مقابل هدفين، وهكذا بدأت علاقتي بالأهلي، أو بالأحرى بكرة القدم، وهي علاقة لم تنقطع إلا بعد مذبحة بورسعيد، التي أقامت حاجزًا نفسيًا بيني وبين هذه المتعة، كما حرمنا "نكد الدنيا الراهن" من الكثير من مرادفات الحياة.

لو أنك أحصيت بطولات القلعة الحمراء، ليس محليًا فحسب، لكن في الاستحقاقات القارية أيضًا، لما وجدت صعوبة في اكتشاف أن معظمها جاء في الوقت الضائع، بهدف قاتل أطاح بأحلام المنافسين، ممن لا يجدون إزاء الصفعة المباغتة سوى لعن الحظ والحكام والإصابات إلى آخر تلك الحجج المتنطعة الخائبة.

التاريخ لا يقف أمام الحجج الجوفاء، لا يعطي المهزومين شرعيته، يتجاهلهم لأنه يقرأ سوى لغة الإنجازات، ومن هذه الناحية فإن المسافة بين الأهلي وأقرب منافسيه الزمالك، كالمسافة بين عبقرية الدكتور مجدي يعقوب جراح القلب العالمي، وعبقرية اللواء عبدالعاطي صاحب اختراع العلاج بالكفتة!

الرياضيون من كل الاتجاهات، يفسرون حصد الأهلي البطولات في الثواني الأخيرة، بعبارة ذهبية مهمة، وهي "روح الفانلة الحمراء"، فاللاعبون يؤدون حتى النفس الأخير، لا يُحبطون مهما اتسع فارق النقاط، فالبطولة دائمًا في الملعب، وهو الأمر الذي أكده المدير الفني الجديد وابن الأهلي المخلص فتحي مبروك ما أن تولى المسؤولية خلفًا لـ"المخلوع" جارديو الذي حصد فشلًا أكبر من فشل مشروعات التنمية الخرافية التي تحدث عنها المشير المدني المنتخب، قبل دخوله قصر الاتحادية، وما حصده قبلها مشروع النهضة الإخواني.

إن روح الفانلة الحمراء، يمكن أن تختزل في عبارة الزعيم الوفدي الراحل مصطفى كامل، أيام كان الوفد حزبًا للشعب "لا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس"، فبهذه الروح الوثابة أصبح النادي يحمل لقب نادي القرن في القارة السمراء، فيما منافسوه يصرخون: "لا اللقب لنا، والاتحاد الأفريقي والفيفا والجبلاية وكل قوى الشر الكروية تآمرت علينا"!

شاعرنا المظلوم حيًا وميتًا نجيب سرور يرصد في ديوانه البديع "لزوم ما لا يلزم" حالة الصراع بين ذاته المعذبة الغارقة في الإحباطات وبين هذه الإحباطات، إذ يقول في مقطع عن عودة بحار من رحلته: "المرفأُ المنشودُ لاحْ، أفرغ شراعَك يا غريبُ من الرياحْ، لملمهُ كم ودّ الشراعُ لو استراحْ.. لو استراحْ، ودِّع طيورَ البحرِ كم راحت إلى الأفقِ البعيدْ، تشتمُ ريحَ اليابسةْ، لتعودَ لاهثةً ترفرفُ يائسة، لا شيءَ في الأفقِ البعيدِ يا ملاحُ غيرُ الأفقِ.. كلُّ الكونِ بحر"، حتى ينتهي إلى المرفأ المنشود، مختتمًا رائعته بتساؤل يصفع اليأس "لو لم تكن أقوى من اليأسِ ترى كيف وصلت؟".

اليائسون لا يصلون، يرفعون الرايات البيضاء مبكرًا، ويتبرعون بتقديم هزائمهم لخصومهم مجانًا، ويكتفون بندب الحظ والظروف ويبحثون دائمًا عن مشجب يعلقون عليه خيبتهم الثقيلة.

في حال الثورة المصرية، أعني بالطبع يناير، التي أشهد أن لا ثورة سواها، تتراكم الآن إحباطات، فمن غسل سمعة المخلوع الساقط وسدنة فساده، إلى استنساخ ممارسات القمع بصورة انتقامية، فجثوم المدرعات والأسلاك الشائكة على صدر مصر، ثم القوانين التي تشرعن الفساد، وبعدها الإجراءات التي تدوس على الكادحين في الأرض، كرفع أسعار المحروقات، وصولًا إلى تعيين وزير يعتبر استيلاء أبناء القضاة على المناصب "زحفًا مقدسًا"، وما من قبل ومن بعد من "هجمات مرتدة" تستهدف وأد صحوة شعب، ثار طلبًا للعيش والحرية والعدالة، ليس ثمة مفر، ولا خيارات إلا اتباع منهج الفرق الخاسرة تبريرًا ولطمًا للخدود وشقًا للجيوب، أو التحلي بروح الفانلة الحمراء، واللعب حتى النفس أو بالأحرى الرمق الأخير، فالثورة كالدوري كلاهما في الملعب.

 

التعليقات
press-day.png