رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

محمد مصطفى موسى يكتب: العلاج بالوهم

من القوانين الحاكمة للعقل البشري، قانون يسمى بالتراكم، ملخصه ببساطة أن الإنسان إذا فكر في أمر معين، بشكل متكرر متواتر، متبنيًا وجهة النظر ذاتها، فسوف تترسخ في يقينه أفكار حاسمة من الصعب -وأحيانًا من المستحيل- تعديلها حتى لو كانت بلا أساس.

 

في فيلم الزمن الجميل، والضحك الذي يشفي القلب العليل "مطاردة غرامية"، ثمة مشهد بديع يختزل هذا القانون، إذا تستقبل عيادة الطبيب النفسي عبدالمنعم مدبولي، مريضا يعاني عقدة مركّبة بسبب قصر قامته، وهي بالطبع عقدة يستعصى علاجها، كونها ناشئة عن عامل موضوعي مادي، ليس ممكنًا نفيه كالاعتلالات الناجمة عن الهلاوس الهستيرية والفوبيا، ومنها الخوف من الفئران والعناكب، أو رُهاب الأماكن المرتفعة أو المغلقة، وما نحو ذلك.

 

وإزاء تلك الحالة، لم يجد "مدبولي" إلا أن يتحايل على العقل الباطن للمريض، مستندًا إلى قانون التراكم وإلى جواره آليات العلاج بالإيحاء، حيث سأل المريض أن يكرر بصوت مسموع "أنا مش قصير قُزّعة.. أنا طويل وأهبل"، حتى خرج الأخير من العيادة في قمة الانتشاء متحررًا من عقدته يحس خفة في روحه، يكاد يطير من على الأرض، وقد تخيل أنه نخلة بابلية!

 

ويعتبر الإيحاء من أغرب الآليات الدفاعية التي تكشف عن مدى قدرة العقل البشري، وتحديدًا الجزء "اللاواعي منه"، على تخطي ما يسبب الألم، وفي الوقت ذاته تكشف عن مدى هشاشة هذا العقل، واستعداده للسقوط في فِخاخ الأوهام وبراثن الضلالات.

 

يُروى أن طبيبًا أنكر استئثار أبي الفلاسفة سقراط، بلقب الحكيم الأول، فتحداه أن يُحضّر كلاهما سمًا زعافًا يحسوه الآخر، ومَنْ يجد ترياقًا يشفيه يغدو الأجدر باللقب.. لكن "الحكيم الأول" عوضًا عن تحضير سم، أوعز إلى خادم له أن يجعل ماءً في إناء فخاري، فيدق طوال الليل فيه، بينما كان متحديه يسترق السمع فيتوجس خيفةً ويتهاوى رعبًا.

 

ولمّا حانت اللحظة الموعودة، تجرّع سقراط السم، فاصفرّ لونه وتصبب عرقًا، ثم تناول الترياق فشفي بعد نحو ساعة، وعندئذٍ قال لمتحديه: "أمّا وقد برأت مما صنعت، فإني أعفيك من تناول سمي"، فأصر الأخير على خوض التحدي حتى نهايته، فانتزع قارورة من بين يدي الحكيم، فأخذ يجرع وهو يجهل أن ما بها محض ماء، وكانت المفاجأة الصادمة أن انتابه شحوب، وأصابه ضيق تنفس، تبعه ألم حاد في الصدر حتى سقط صريعًا.

وبغض النظر عما إذا كانت الرواية حقيقية أو مكذوبة، فإن أمهات الكتب الطبية تسجل قصصًا كان للإيحاء فيها دور البطولة، منها أن نزيلًا بأحد الفنادق اللندنية داهمته أزمة ربوية ليلًا، بينما كان البرد قارسًا، وموظف الاستقبال يغط في سبات عميق، ولا يرد على الهاتف، فما كان من "المأزوم" بعد أن "ضاق صدره حرجًا كأنما يصّعَّد في السماء" وفق التعبير القرآني العظيم، إلا أن أخذ يحبو على أربع، حتى بلغ ما ظنه نافذة لكنه لم يستطع فتحها، فكسر الزجاج بحذائه، وشرع يشهق بعمق، حتى زالت الأعراض، فأوى إلى سريره مستسلمًا للنعاس.

ومع تسلل خيوط الشمس، اكتشف أنه لم يكسر نافذة و"لايحزنون"، وإنما بندول ساعة كبيرة، وأنه لم يستنشق هواءً "طازجًا" من الخارج، وإنما الهواء المحبوس "الراكد" في الغرفة محكمة الإغلاق.

في الولايات المتحدة الأمريكية وجد الأطباء أن هناك موهومين يرفضون ما تنتهي إليه الفحوصات من أنهم أصحاء، ويستسلمون استسلامًا يدمرهم نفسيًا وصحيًا، أي "نفسجسميًا" لوهم أنهم معتلون مرضى، ومن ثم جربوا إجراءً يسمى جراحة "اللاجراحة"، حيث يفتحون بالمشرط جزءًا من الجسم ثم يخيطونه، فيزعمون أنهم استأصلوا حصوة أو غضروفًا مثلًا، والمدهش أن تلك الحالات تحس بعدئذ بالتحسن وتتوقف عن الشِكاية!

ومعروف أيضًا، أن التجارب على أي عقار طبي جديد، تشمل تعيين مجموعتين من المرضى، يتناول أفراد الأولى العقار بما فيه من مواد فعالة، فيما يحصل أفراد الثانية على حبوب بها مواد سكرية ونشوية، لقياس مدى فاعلية العقار الجديد، واستبعاد النتائج التي تنبعث عن الإيحاء.

وكثيرًا ما يحدث أن تتحسن حالة مرضى تناولوا الدواء الوهمي أو بالأحرى "المضروب"، لكنه تحسن مؤقت، تليه بعد فترة قصيرة استفاقة يبصر المريض خلالها الحقائق مجردة، ويدرك حجم الخديعة التي طالما كانت نفسه أسيرة لها.

يقول الرئيس الأمريكي الأسبق إبراهام لينكون: "لن تستطيع خداع كل الناس كل الوقت"، فإذا كان الذين ينخدعون بأوهام العلاج يكتشفون بمرور الوقت الحقيقة، فإن المخدوعين بأوهام ما بعد الثلاثين من يونيو، بدءًا من خرافة الكفتة مرورًا بـ"اللنضة الموفرة"، وصولًا إلى المؤتمر الاقتصادي فالعاصمة الجديدة، سيكتشفون لا محالة حجم الضلالات التي ابتلعوها، فالكذب ليس له رجلان، والأمر كله محض قصة قصيرة، وإن طالت قليلا.

 

التعليقات
press-day.png