رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

محمد مصطفى موسى يكتب عن عبيد البيت: الأمن هو الحرية

 أستعير عنوان المقال، من فصل بكتاب «من هنا نبدأ» للراحل خالد محمد خالد، مع تعديل طفيف، ذلك أن العنوان الأصلي «الخبز هو السلام»، يخالف معتقداتي جملةً وتفصيلًا، فالخبز وحده لا يكفي، ولا يمكن أن يكفي، لأن يحقق سلامًا، أو سلامًا مستدامًا على الأقل.

في الأيام القليلة الماضية شرعت أقرأ عن سلوكيات الجماعات الحيوانية، من باب الترفيه القاصد فرارًا من مُهارشة السياسة وصراعات الديكة والجدل البيزنطي، ومهاترات القائمة الموحدة للبرلمان "المحتمل"، والتحالفات بين القوى المدنية والسلفيين، وما إلى ذلك من مشهد عبثي ضمن فسيفساء العبث القائم القامع في مصر الآن.

وكلما كنت أمضي قدمًا في القراءة، كلما أدهشتني المقارنات بين سلوكيات الإنسان والحيوان، خاصة فيما يتعلق بالحرية، مقارنات تتراءى أمامي عفويًا فتحدو بي إلى سؤال يبدو بسيطًا، لكنه غاية في والأهمية، لماذا وكيف ينفرد الإنسان وحده باستساغة العبودية والقدرة على التأقلم معها رغم كونه المخلوق الوحيد الذي حمل الأمانة؟

إن الحيوانات -باستثناء المولودة في الأسر- تدافع عن حريتها حتى الرمق الأخير، وهناك حيوانات تنتحر حين تسقط بين أيادي بني آدم، حتى لو أطعمها بعد مسغبة، ووفر لها الأمان من مخاطر الضواري التي تتربص بها.

المها العربي ذاك المخلوق الرقيق، يذرف دموعًا حين يسقط في شباك الصيادين، وبعض الوحوش الكاسرة تضرب عن الطعام حتى تموت، وبعض الثدييات تأكل صغارها إذا ولدتها خلف القضبان، وكأنها تأبى في شموخ إنجاب «جيل ثان» من المستعبدين بالوراثة، إلى درجة أن العصافير وهي من أضعف الكائنات، ترفرف فتنقر أيادي قناصيها، وهي بين قبضاتهم، في معركة غير متكافئة بطبيعة الحال.

أكثر الحيوانات تشبثًا بالحرية هي الأفيال، فهذه الكائنات المسالمة النباتية، تقاتل الصيادين باستماتة دفاعًا عن حريتها حتى تخور قواها، فإذا أيقنت تبدد الأمل، قد تغرس أنيابها العاجية في شجرة فتقتلعها من لحمها، وكأنها تقايض بها، فإذا كان الصياد يبتغي العاج، فها هو أمامه، وليخلي سبيلها!

الإنسان وحده يصطنع حوله الأوثان فيظل لها عاكفًا، قد يستسيغ العبودية فيجد مرارة في مذاق الحرية، ويزداد الأمر غرابة وفجاجة بوجود فئة من العبيد، لا يكرهون الحرية فحسب، وإنما يناصبون الطامحين إليها العداء، فيمارسون عليهم قمعًا وترهيبًا وحصارًا.

يمكن تفسير المفارقة الأليمة بمقولة المناضل الأمريكي الأسود مالكوم إكس بأنه «نتيجة عقود طويلة من العبودية، أصبح لدينا نوعان من العبيد: عبيد البيت وعبيد الحقل، فالنوع الأول يضم طبقة العبيد المقربين للسادة، يأكلون طعامهم أو بقاياه، ويلبسون ملابسهم المستعملة، ولا يمارسون عملا شاقًا، ولذلك فإن هؤلاء بما يحسبونها مميزات يحظون بها، يتحولون إلى أشرس أعداء الحرية، وألد معارضي التحرر، يقفون ضد ثورات عبيد الحقل ممن ألهبت ظهورهم السياط، وكسّرت أعوادهم الناحلة أعباء أعمالهم الثقيلة».

تفسير يستفز التفكير حقًا، فأكثر القامعين بأسًا وطغيانًا، ما كان لهم أن يستبدوا، لولا أن فئة من العبيد انضموا إلى صفوفهم، فكانوا سواعدهم التي تبطش، وقبضاتهم التي تضرب، وألسنتهم التي «تردح» دفاعًا في مفارقة مريرة، لا عن ساداتهم بذواتهم، وإنما عما اكتسبوه منهم من عبودية.

وبالنظر في الحالة المصرية، يظهر أن لدينا وفرة من عبيد البيت، ولعلنا نضرب كفًا بكف ونحن نرى مناضلين تقاعدوا عن النضال، واستقالوا من المبادئ التي طالما تشدقوا بها، بعد أن صاروا على مقربة من السلطة، أو بالأحرى ارتقوا من مرتبة عبيد الحقل إلى عبيد البيت، فأصبحوا يستبدلون الوقوف إلى جانب القمع، بالانتماء إلى صف الكادحين، إلى حد السفر وراء رأس السلطة إلى كل مكان، للانضمام إلى مظاهرات المهرجين، وجوقة الهتيفة "الممثلين والممثلات" وزفة البهلوانات والبهاليل أمام مقر إقامته!

مناضلون سابقون، في صف واحد مع إعلاميين وسياسيين وشيوخ دين اعتادوا التلون كالحرباوات، فضحتهم "يناير الثورة" التي كانت في أيامها الأولى بالنسبة لهم، مؤامرة وخطة خبيثة، فتحوّلت إلى معجزة شعب، ثم «تشيطنت» مجددًا بعد تقلب المناخ، فإذا هي مؤامرة كونية فضائية مرة أخرى، فسبحان الذي يُغير ولا يتغير.

هؤلاء بشحمهم ولحمهم ووجوههم القميئة، يعزفون الآن على ربابة أن الشعب لا يريد حرية، فالرغيف ليس أولا، وإنما الرغيف ولا شيء سوى الرغيف، هكذا يجرفون إنسانية المجتمع المصري، عبر مسخ أبنائه إلى محض كائنات تعيش لتأكل، لا تأكل لتعيش.

والحق أن قطاعًا كبيرًا من الكادحين، أو بتعبير مالكوم إكس، عبيد الحقل، قد انساقوا وراء هذا الضلال، وهو أمر يعزى دون شك إلى منسوب الفقر الآخذ في الارتفاع بشكل خانق خنّاق، بما يجعل أي شيء غير "سد الرمق" ثانويًا أو ربما في مرتبة ثانية.. لكن هل هذا الواقع "جواب نهائي" على طريقة جورج قرداحي؟

يقرر علماء الاجتماع  أن الإنسان مجرد أن يملأ أمعاءه الخاوية، حتى يستصرخ في أعماقه نزوعه إلى الحرية، ما يعني أن أي نظام سياسي يتخيل أن توفير اللقمة لرعاياه سيجُب الحرية ويغني عنها، ليس بآمن وليس بعيدًا عن لحظة غضب آتية لا محالة، أما بالنسبة للأنظمة التي تؤسس الدولة البوليسية، ولا تقدم اللقمة أيضًا، وتتخيل أن ترك الشعب جائعًا يدوخ وراء لقمة الكفاف "سبع دوخات"، فعليها الحذر لأن "الجوع كافر"، ولأن أسلافنا العرب اختزلوا الأمر في مثل ذي مغزى مهم "لا تنم جنب جائع فيأكلك".

 

التعليقات
press-day.png