رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

محمد مصطفى موسى يكتب: مخه بيادة

 كان ذا أنف عريض ناتئ، يستأثر بمساحة هائلة من وجهه، له فتحتان غائرتان كأخدود، يتمدد إلى الأمام بعض الشيء، ساحبًا معه فكه الضخم وشفتيه الغليظتين، أما عيناه وجبهته فتنسحب إلى الوراء، بينما الأذنان لهما شحمة كبيرة، وصوان مُدّبب، تنفران نفورًا واضحًا، فيوحي مظهره إجمالًا بأنه "مُصمّم" ليكون حمارًا أو "بُوني" وفي رواية أخرى "شتلند"، لكن لسببٍ ما، وُلِد آدميًا.

 

إنه الصول سالم الذي استقبلني ضمن دفعة المجندين، في اليوم الأول بمركز التدريب، وكنت كلما رمقت وجهه لا أستطيع مقاومة أمواج الضحك التي أغرق فيها كسفينة مثقوبة، وكان ذاك الغرق يزداد إذا تكلم بصوت هو دونما مبالغة، مزيج من الحشرجة والخوار، كأنما يخرج من حلق بعير يجشُّ وجبته من الشعير.

 

ولم يكن الصوت والمظهر وحدهما مبعث الضحك، فالأربعيني ذو القد "الخيزراني" الممشوق، واللحية الحليقة دائمًا، والبشرة التي شربت الشمس حتى الثمالة، والوقفة العسكرية الصارمة، كان علاوة على ذلك آية من آيات الغباء، له نوادر جديرة بأن يسجلها الجاحظ في كتاب بعنوان "الأغبياء" على غرار كتابه الأشهر "البخلاء".

ومن نوادر الصول سالم، أنه بعدما تعرف على المستجدين، وتفقد عملية تسليم "المهمات" من ملابس وبطانيات وما نحو ذلك، سأل العساكر عمن يحمل منهم مؤهلًا جامعيًا، فأجاب عدد بالإيجاب، فسأل: "تعرفوا تقروا وتكتبوا؟"، وبالطبع بدأت الملهاة، ولأن كاتب هذه السطور "مسحوب من لسانه"، فقد كان أول المتهكمين إذ رد بعبارة العبقري عبدالفتاح القصري: "نُبصم طَشاش"، ولم يكن عصيًا على الرجل الذي لم يفهم مغزى "القفشة" أن يستوعب أنها سخرية، وهكذا تعكرّت العلاقة، وأصبح الانطباع الأول عائقًا أمام محاولات التطبيع لاحقًا.

وكان الضباط يقدرون من الصول سالم التزامه، ويُكبرون حرصه على تنفيذ الأوامر بحذافيرها، إلا أن طريقته في التنفيذ كانت كثيرًا ما ترمي به في مواضع الزلل، فالرجل بحكم أن نصيبه من الذكاء، لم يكن أكثر من نصيب منقار طائر من مياه نهر، كان بعيدا كل البعد عن الابتكار، يسير كقطار على قضيب، رتيبًا نمطيًا جامدًا، فإذا سألوه أن يعاقب المستجدين لسبب هين، أمعن في "التكدير"، ما كان يؤجج حالات تبرم وضجر، وإذا كلفوه بالإشراف على المطبخ "الميس بتعبير ميري"، ربما نسي وضع الملح في الطعام، أو وضعه مرتين فإذا به أُجاج لا يُستساغ.

 

أمام "الحماقات المتكررة" قرر قائد الكتيبة أن يكلفه مسؤولية الـ"كانتين"، فذاك عمل ليس إبداعيًا ولا يحتاج عبقرية استثنائية، يبيع السلعة، ويودع النقود في درج فيسلمها يوميًا بعد جرد يتولاه المجندون، وهو يشرف عليهم ليس إلا.

 

مع تكليفه المهمة، كان الصول سالم ضجرًا حانقًا، وطالما "برطّم" بأنه رجل عسكري، يحب الطوابير و"صفا وانتباه"، ولم يتطوع في الجيش ليكون "بقّالا"، لكن ضابطًا شابًا خفيف الظل، أقنعه بأن دوره في "الكانتين" ليس أقل أهمية منه في الساحة، فاقتصاد الوحدة مهم كحسن التدريب، وهذه المهمة ستجعله أشبه ما يكون بوزير مالية، وهكذا انقلب الضجر حماسة، وأصبح يستقبل عمله نشيطًا، يأمر المجندين بتنظيف الأرضيات والرفوف، وينهاهم عن استقبال أصدقائهم في ساعات وردياتهم، ويوجههم إلى عمل جرد دوري كل ست ساعات.

 

وبدا أن الحل المبتكر أرضى جميع الأطراف، فالصول سعيد، والمجندون مرتاحون، والضباط تخلصوا من الصداع، لكن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن، حينما اكتشف إثر جرد وجود عجز بقيمة سبع جنيهات، فصار يغلي ويفور غضبًا، وهو يقسم على أن يعاقب المختلس أشد عقاب حالما يجده، ويرفض محاولات المجندين في الـ"كانتين" إقناعه بأن أحدًا لم يختلس، فجميعهم في العمل منذ شهور، والأرجح أن خطأ حدث لدى تسديد أحد المجندين قيمة ما اشترى، لكنه أبدًا لم يهدأ، وأخيرًا قرر أن يكون الجرد كل ساعة.

كما أصدر فرامانًا بتغيير قواعد جديدة البيع، فإذا طلب جندي زجاجة مياه غازية، أرغمه على شراء صندوق، فيقف المسكين في الساحة، حتى يبيع زجاجة فزجاجة، وحين ينتهي يعود بـ"الفوارغ" ليسترد ما أودعه رهنًا، وإذا طلب مجند شطيرة أُجبر على شراء عبوة فيها عشر شطائر، يبيع منها ما يزيد على حاجته، فالبيع بالجملة أقل خطرًا، وأكثر تجنيبًا للعجز.

وطبيعي أن المجندين لم يتحملوا الوضع الشاذ، فلاذوا بقائد المعسكر، وكان لواءً دمث الخلق، مهذبًا إلى أقصى درجة، فتفهم المظلمة، وقرر إعادة الصول سالم إلى أرض التدريب، على الأقل ليكون أمام أعين الضباط، حتى يكبحوا ما يتفتق عنه ذهنه، فلا يدفع بالجميع إلى ما يتعب الجميع.

 

وذات مرة وقعت مشادة، بين الصول ومجند، وكان بدويًا من مطروح، سببها أنه سأله عن "تمام الكتيبة"، فأجابه بأنه لم ينته منه بعد، فإذا به يكيل الاتهامات بالتقصير، فارتسمت على قسمات الشاب علامات غضب، واجهها الصول بقوله: "اوعى تكشر في وشي يا عسكري يا دُشمة"، فرد الأخير: "طبعا مستحيل أن أكشر في وش سيادة اللواء"، وعندئذ استبد الغضب بالصول وأصبح يقفز في مكانه كأن به جِنّة، وهو يكرر صارخًا بأقصى طاقات حنجرته: لواء غصب عنك.

 

وكان ذاك المشهد أمام عميد هرع إلى تحري الأمر، فلما اطلع عليه، ويبدو أن الكيل كان قد فاض به فقال: هيفضل مخك جزمة كده يا حضرة الصول؟ فما كان من الصول الغاضب إلا أن وقف انتباهًا بعدما ابتلع ريق الغضب فقال: "جزمة مش شتيمة ميري يا فندم"، فأجابه: "مخك بيادة"، فقال: "تمام يا فندم"!

التعليقات
press-day.png