رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

خالد البلشي يكتب : مصادرة حرية الصحافة بـ مشروع قانون الإرهاب

"لا صوت غير صوت النظام وآلته الأمنية ".. ربما هذه هي الرسالة التي يحملها مشروع قانون الإرهاب للصحافة عبر العديد من نصوصه .. فهذه النصوص لم تخالف فقط  نص الدستور الحالي - والذي جرى الإجهاز عليه وإهدار العديد من مواده وتجميدها خاصة على صعيد الحقوق والحريات بفعل فاعل- ، ولكنها جاءت لتقضي حتى على مكتسبات حصلت عليها الجماعة الصحفية عبر تاريخ طويل من النضالات .. وكذلك جاء القانون بنصوصه المعيبة ليصادر الهدف الأسمى لمهنة الصحافة وهو نقل المعلومات للمواطنين من مصادر متعددة باعتبارها الطريق لاجلاء الحقائق كاملة من كافة وجوهها.. فمشروع القانون الجديد والذي تم إقراره من لجنة الفتوى والتشريع بمجلس الدولة تم تضمينه بخمس مواد كلها تنال من حرية الصحافة بل وتغلق الباب أمام حرية تداول المعلومات فضلا عن أنها تشكل تراجعا كبيرا عن العديد من النصوص الدستورية بل والمكاسب التي حققتها الصحافة لصالح المواطنين جميعا.. وهكذا فإن النظام الحالي بدلا من أن يحارب الإرهاب عبر حشد طاقات المجتمع قرر مصادرة حرية الصحافة من باب الحرب على الإرهاب .. وبدلا من أن تستمع الحكومة ويستمع النظام الحالي لكل النصائح التي خرجت لتؤكد له أن محاربة الإرهاب لا تكون بمصادرة الحريات العامة بل بإدخال المجتمع كشريك رئيسي في مواجهة جماعات العنف فإنها اختارت أن تضرب الجميع بقانون واحد.. وهو اختيار ليس جديد على النظام الحالي وتوجهاته للعصف بالحقوق والحريات العامة ولكم في العديد من ممارساته في مواجهة المطالبين بالحرية وحبس الشباب والانحياز لرجال الأعمال على حساب الطبقات الفقيرة خير دليل.

لقد حفل مشروع قانون الارهاب الجديد بالعديد من المواد التي تخالف بشكل صريح العديد من مواد الدستور وفي مقدمتها المادة 71  من الدستور ، وما نصت عليه من حظر توقيع أي عقــوبة ســالبة للحرية فى الجــرائم التى ترتكب بطريق النشــر أو العلانية" بل وما ورد فيها من استثناء بالاحالة لقانون العقوبات في الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن فى أعراض الأفراد" وهو ما ظهر بشكل واضح في نصوص المواد رقم 26 و27 و29 و33 و37 ". حيث حفلت هذه المواد بالعديد من من العبارات المطاطة التي تتعدى الهدف الرئيسي للقانون وهو مواجهة الإرهاب إلى مصادرة حرية الصحافة وفتح الباب واسعا عبر تفسيرات مطاطة للنيل منها ومصادرتها من خلال السلطة التنفيذية.

ولعل أخطر هذه المواد على الإطلاق هي المادة 33 من مشروع القانون والتي جاءت لتفتح باب الحبس من أوسع أبوابه أمام أي صحفي يحاول الاجتهاد حيث نصت على أنه " يعاقب بالحبس الذي لا تقل مدته عن سنتين، كل من تعمد نشر أخبار أو بيانات غير حقيقية عن أي عمليات إرهابية بما يخالف البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية، وذلك دون إخلال بالعقوبات التأديبية المقررة في هذا الشأن". وهو ما استكملته المادة 37 من القانون والتي جاءت لتجرم نقل ما يدور في وقائع محاكمات المتهمين بالإرهاب بأي صورة من الصورة وإن اكتفت بعقوبة الغرامة في هذا الإطار.

والمادة 33 بنصها الحالي تحمل في طياتها العديد من الجرائم بحق الصحافة فهي فقط لم تهدر ما ورد بالدستور من ضمانات عبر تقنين الحبس في قضايا النشر مرة أخرى، بل أنها جاءت لتصادر مهنة الصحافة وحق الصحفي في الحصول على المعلومات من مصادره المختلفة وتحصرها في جهة واحدة وهو ما يمثل  ارتداد واضح على حرية الرأي والتعبير، بل وضرب لأساسيات المهنة في مقتل والتي تلزم الصحفي بتنوع مصادر معلوماته بحثا عن مساحة أوسع من الحقيقة .. وهكذا لم تكتف المادة المذكورة بإعادة الحبس في قضايا النشر بالمخالفة للدستور بل أنها جعلت السلطة التنفيذية رقيبا على الصحافة وحريتها ومعيارا للحقيقة، وفتحت الباب لإهدار كافة الضمانات التي كفلها القانون للصحفي.

ربما سيحاول البعض استغلال ما شهدته تغطيات العمليات الإرهابية الأخيرة من اغتيال النائب العام وحتى اشتباكات سيناء من بعض الاخطاء لتمرير المواد سيئة السمعة وتبرير الحبس في هذه القضايا.. وهو أمر مردود عليه من عدة أوجه، فالعمليات الأخيرة نفسها ما كان لها أن تقع ومنها عملية، اغتيال النائب العام لولا وجود أخطاء كبيرة داخل السلطة التنفيذية نفسها، والتي وعدت طوال أكثر من عامين بالقضاء على الإرهاب بل وخرج عدد كبير من رموزها ليبشرنا بأن الإرهاب انتهى في سيناء.. وبمقتضى الأمور وبطريقة تعامل المادة 33 سيئة السمعة مع الصحافة فإنه لابد من حبس كافة القائمين على هذه الإجهزة وكل من خرجوا ليبشرونا بانتهاء الارهاب والقضاء عليه.  وفي هذه الأحوال ربما يكون جميع رجال السلطة التنفيذية بدءا من قمتها وحتى أصغر المسئولين فيها عرضة للحبس فكيف يتم العقاب على خطأ في نقل الفعل ولا يعاقب من تسبب في الكارثة نفسها .

إن تصحيح أخطاء الصحافة يا سادة لا يكون بحبس الصحفيين، ولكن بنشر الحقائق وحرية تداول المعلومات وخير دليل على ذلك ما جرى في تغطية اشتباكات سيناء فأمام نقص المعلومات القادمة من جهة السلطة وأمام القصور الحكومي في نقل الحقائق مع بداية الأحداث، لجأ عدد من الصحف إلى المصادر الأخرى ومنها الوكالات العالمية، وهي أحد المصادر المعترف بها عالميا وكذلك للمصادر المجهلة القريبة من الحكومة، وهو ما فتح الباب لبعض الأخطاء، كان الرد الرسمي عليها عبر بيانات واضحة كفيل بتصحيحها والتصدي للمعلومات المغلوطة فيها وهو ما التزمت به الصحافة، وهكذا فإن إفصاح الحكومة عن المعلومات كان السبيل لضبط الأداء، وليس معاقبة من حاول تغطية القصور الحكومي والرسمي في نقل المعلومات ولو أخطأ.. لهذا اخترع البشر وأساتذة الصحافة الكبار حق الرد والتصحيح، ولهذا اخترعت البشرية قوانين حرية تداول المعلومات لا حبس العاملين على نقلها . الأكاذيب لا تهزمها إلا الحقائق والاخطاء لا يتم تصحيحها عبر مصادرة أدوات البشر للمعرفة ولكن عبر أدوات التصحيح المتاحة.

ولا تقف الجرائم المرتكبة بحق الصحافة في مشروع القانون الحالي عند حدود المادتين 33 و37 بل تتعداها إلى نصوص العديد من المواد الأخرى في مشروع القانون ومنها المادتين 26 و27 واللتان تحتاجان لإعادة ضبط في الصياغة بما لايفتح الباب لتحولهما إلى أداة لمعاقبة الصحافة والصحفيين بدعوى الترويج للإرهاب وكذلك المادة 29 من المشروع والتي تغلق الباب أمام محاسبة افراد السلطة التنفيذية والمتجاوزين في حق المواطنين بما احتوته من نص فضفاض يجرم جمع المعلومات حولهم وهي أساس عمل الصحفي ..

فهل سيخضع من يقومون بنشر بيانات الجماعات الإرهابية في محاولة للتصدي لفكرها وفضحها لنصوص هذه المواد وهل سيكون من يطالبون بانفاذ القانون على الجميع، ومعاقبة المقصرين عرضة لتأويلات جهات الضبط في ظل التوسع في الاشتباه وفتح باب الحبس واسعا أمام كل من يحاول نقل وجهة نظر مختلفة. والنماذج على ذلك كثيرة في الممارسات اليومية بحق الصحافة والصحفيين؟

إن مواجهة الفكر المتطرف لن تكون إلا عبر فضحه ودحض أفكاره ومحاسبة المقصرين في مواجهته؟ أم ان هذا الباب سيتم إغلاقه لتكتفي الحكومة بالمواجهة الأمنية وشعارات لا صوت يعلو فوق صوت المعركة ومصادرة كل قول يخالف أقوال النظام أوحقيقة على غير ما يقدمه من معلومات؟

أن محاربة الإرهاب يا سادة لن تتم عبر نصوص قانونية تصادر الحريات العامة وفي القلب منها حرية الصحافة - خاصة وأن نصوص قانون العقوبات تغطي معظم الجرائم الواردة في القانون وهو ما يعني اننا لا حاجة لنا لهذا القانون من الأساس - ، بل نحتاج لإطلاق الحريات العامة وإدخال المجتمع كشريك رئيسي في مواجهة جماعات العنف عبر تفعيل نصوص الدستور خاصة في مجال الحريات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.. لا السعي الحثيث لإهدارها عبر قوانين وإجراءات استثنائية تطال الجميع وانحيازات لصالح طبقات بعينها على حساب الطبقات الاكثر احتياجا. وهو ما يستوجب وقفة واضحة للتصدي لهذه الممارسات وعودة سياسات القمع تحت مظلة الحرب على الإرهاب. 

التعليقات
press-day.png