رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

محمد مصطفى موسى يكتب : السيسي بين عكاشة وممتاز القط

في مادة فيلمية تعود زمنيًا إلى زمن الحملة الانتخابية للمشير المدني المنتخب، يعلّق الإعلامي الاستثنائي "توفيق عكاشة"، على ضعف الإقبال على صناديق الاقتراع، قبل أن ينقلب "لا سحر ولا شعوذة" بعد التمديد يومًا ثالثًا إلى إقبال يفوق الإقبال على مشاهدة الراقصة الأرمينية صافيناز على "يوتيوب" قائلًا: "إن لم تنزلوا ستضيع مصر".

هكذا ببساطة تُمرّر الرسالة، فالمشير المدني المنتخب هو طوق النجاة، والمرسل من السماء، أو كما يطنطن ذو لحية، هو فاروق هذا الزمان، فيخرف آخر: بل هو سيف الله المسلول، فيزايد عليهما ثالث، فيعتبره مع وزير الداخلية السابق محمد إبراهيم، رسولين بعث الله بهما، الأمر الذي يحدو إلى التساؤل عما إذا كان الوزير المعزول مايزال على "رتبة رسول" أم تم إسقاطها عنه؟

في الفيلم ذاته، يطالب "عكاشة" ذوي عمومته بمحافظة الدقهلية بطباعة نصف مليون صورة للمشير، ومن ثم توزيعها على مقرات اللجان الانتخابية الخمسة، مشددًا على ضرورة عدم كتابة إهداء عليها بأسمائهم، فصالح عملهم من ألفه إلى يائه "عشان خاطر مصر"، بصوت هاني شاكر أو المشير المدني المنتخب، لا فرق كبير أو صغير!

عملية تأليه فجة ووقحة، اختزلت وطنًا بعد ثورة شعبية، أعني بالطبع ثورة يناير، في شخص مُنقذ مُخلّص، لا تعدو إلا أن تكون استنساخًا لسيرة مخلوع ثمل ثلاثين عامًا بأغنيات التسبيح، على نحو "احنا معاه لما شاء الله"، ومقالات التمسح في الرجلين، على نحو "طشة الملوخية" الذي يقول فيه رئيس تحرير الأخبار الأسبق ممتاز القط: الرئيس ربما يكون المصري الوحيد الذي لا يأكل محشي الكرنب.. وربما يكون الوحيد الذي لا يشم طشة الملوخية أو رائحة البامية، أو يعرف طعم صيادية السمك، حتى لو كان يحبها، الأطباء يمنعونه، معظم الرؤساء يأكلون "السوتيه" الذي نقول إنه "أكل عيانين" ولا نتحمله يومين متتاليين.

"ملحوظة أجريت على عبارة القط إعادة صياغة لتجاوز الاضمحلال الحاد في قدرات رئيس التحرير الأسبق في التعبير"!

على أن العودة إلى "أيام القط" لم تكن بعربة "الخطاب العكاشي" وحدها، فالمشير المدني المنتخب حظي بحفلات زار، جمعت الشامي على المغربي، حيث ترنمت باسمه الكنائس والمنابر، وارتمت تحت رجليه وسائل الإعلام المستقلة قبل القومية، فإذا بكاتبة تسأله أن يعتبرها من سباياه، بينما يخاطبه آخر بأنه الواحد القهار، هذا بالتوازي مع حملات التخويف من مصائر البلدان المجاورة، والتي ربطت بين استقرار مصر وبين دخوله بـ"رجله اليمين" الاتحادية، وهو الأمر الذي أظهرت التجربة أنه كلام ليل مدهون بزبد، في دولة أصبحت فيها القنابل للجميع، والتعذيب والاعتقال بالشبهات ومن دون شبهات، أيضًا للجميع، بما ينزع عن المواطن الأمان، ويجعله بين رحى طاحونة إرهاب الجماعات التكفيرية، وإرهاب الدولة.

"الخطاب العكاشي" الذي لم يكن الخطاب "التطبيلي" الوحيد، كان قد بلغ ذروة الضجيج، فلم يعد صوت أم كلثوم صادحًا: "أنا الشعبُ لا أعرف المستحيلَ" مسموعًا، كان نعيق الغوغاء صاخبًا، يختصر كل الفضائل في شخص سيادة فخامة عظمة جنابه، ولنحمدن الله نحن الشعب، بكرةً وعشيًا على أنه ارتضى أن يترشح للحكم، فهو "المجد" كما كان ملك ملوك إفريقيا "القذافي" يصف نفسه، الأمر الذي يفضح مفكرنا الكبير عبدالرحمن الكواكبي عبثيته وهزليته حيث يقول في "طبائع الاستبداد": "المستبد هو مُتمّجد وليس له مجد أبداً، وفي لحظة جلوسه على عرشه، ووضع تاجه على رأسه يرى نفسه، كان إنسانا فصار إلهًا".

عملية "فرعنة الرجل" كانت بدأت من الهتاف المبستر السخيف الذي دُسّ إلى الميدان في الثلاثين من يونيو: "انزل يا سيسي، مرسي مش رئيسي".. هتاف يجعل الشعب يستجدى لا يُستجدى به،  وصولًا إلى تسليط أوسخ البشر من "رداحين القمر" على كل من ينبس ببنت شفة نقدًا لنور عيونهم، الذي لا يجوز خدش مشاعره الرقيقة، أو الضغط على أعصابه المرهفة، وكفاية عليه أنه "شايل الهم" ويحارب الإرهاب، وربما أيضًا محروم -يا كبدي- من المحشي والملوخية.

هنا لا فرق بين سياسي أو فنان أو كاتب صحفي أو إعلامي أو حتى لاعب كرة قدم سجل رأيه على صفحته بموقع التواصل "فيسبوك".

لا مساس بالذات الرئاسية العليا، فلا تخرج عن السرب يا مواطن، لأن العصا لمن عصى، فإن لم تتغنَ بأن تشييد المزيد من السجون، يمثل إنجازًا كبيرًا لدولة سيادته، أدخلناك إلى تلك السجون فترة نقاهة، حتى تعايش التجربة بنفسك، ونحن كفيلون بمعاملتنا الطيبة أن نجعلك تغني "تسلم الأيادي".

التساؤلات محظورة، ومعظم القضايا التي تتصل اتصالا وثيقًا بمستقبل مصر محظور نشرها، محظور أن يفهم الناس شيئًا عن مآلاتها وهي واقعيًا مآلاتهم هم، والرأي الآخر محظور، والنقد عبث صبيان، فالرجل الكبير يعرف أكثر، وهو فوق الشبهات، وفوق المساءلة، وفوق الحساب، وفوق رأسنا شئنا أم أبينا.

إن المتفق عليه بين المتخصصين في علم الاجتماع السياسي أن المواطن إذا فقد فرديته، ضاعت آدميته في اللحظة ذاتها، وإذا صار مدمجًا مع الآخرين في كتلة اجتماعية واحدة متشابهة، ماتت قواه الإبداعية، وصار رقمًا في قطيع، فالإبداع باعتباره شذوذًا عن رأي الجموع، ليس مسموحًا به، بل إنه أقرب لأن يكون جريمة نكراء وكبيرة من الكبائر التي تستدعي تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، وفي هكذا مناخ لم يكن منطقيًا أن يصدق عاقل بأن ساكن قصر الاتحادية، الذي لم يقدم برنامجًا انتخابيًا، مكتفيًا بعبارة "فهلوية غامضة": "مصر أم الدنيا وهتبقى قد الدنيا"، سيحقق شيئًا من هذه النجاح.

الآن.. بعد أكثر من عام على حكم السيسي، ترى كم تبلغ نسبة تصديق الشارع المصري لتلك العبارة؟

رغم الفشل الممتاز في كل شيء، ليس ممكنًا بالطبع الوصول إلى نتيجة صادقة مؤكدة، فالمراكز البحثية طوع بنان القامعين بأمرهم، والنسبة هي تأييد باكتساح، ودائمًا باكتساح، والورق ورقنا والدفاتر دفاترنا، لكن المؤكد حقًا أن الحاكم الفرد المستبد هو أسوأ أنواع الحكام، وأشدهم خطرًا لأنه يدمر فردية الإنسان، ويجتث من طين الأرض جذور الإبداع، ومن ثم لا يتحقق أي تقدم أو إنجاز، كما يقول أرسطو في نظريته.

التعليقات
press-day.png