رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يرد على مقال "كيف أصبحت ماركسيا ضالا": مَاركسيون ظُرفاء.. لماذا خذل الفتي "تسيبراس" يساريي العالم؟

"هدفي هنا هو توضيح وجهة نظري بخصوص الرأسمالية الأوروبية البغيضة التي- ورغم كل أمراضها- يجب أن نتجنب إنهيارها مهما كانت التكلفة.

وهذا الاعتراف الغرض منه إقناع الراديكاليين بأن علينا مهمة متناقضة: أن نوقف السقوط الحر للرأسمالية الأوروبية حتى نشتري الوقت الذي نحتاجه لتشكيل بديلها.”..هكذا تحدث “يانيس فاروفاكيس” بصفته ماركسي الفكر أكثر من كونه وزيراً سابقاً بالحكومة اليونانية في مقالٍ أبدعت في ترجمته المُجيدَة دائماً “إلهام عيداروس”..كان عنوان المقال هو “كيف أصبحت ماركسياً ضالاً”.

العنوان و إن حمل سخريةً هازئةً علي نحوٍ ما، إلا أنني أراه عنواناً مُعبراً بحقٍ عن حال كاتِبِه الذي بقدر إيماني اللا محدود بحقه في طرح ما يشاء من أفكار و مراجعات، بقدر قناعتي الكاملة بضرورة التعليق علي ما جاء به من طروحات ورؤي أدعو كل المهتمين بهذا الفكر لمناقشتها، حيث لا شيئ يقيني في الفكر الإنساني الذي ينبغي نقده و نقضه - إن إستدعي الأمر- فمن هنا ينشأ التغيير والتطور التاريخي.

وأنا في هذا المقال لن أقوم بمراجعة شاملة لما جاء بمقال “فاروفاكيس” حيث لن يتسع المجال لكني سأسرد بعض تصورات ورؤي شخصية بذلت قصاري الجهد في أن تكون علمية.

قرأت مقال الرجل مراتٍ عدة و في كل مرة كنت أستشعر رُوح “برنشتاين” بين السطور.. كان “برنشتاين” يري أن النظام السياسي للمجتمع البورجوازي لا يجب أن يُحَطم و أن كل ما يحتاج إليه هو أن يُطَور أكثر.. وكان يري أيضاً أنه بالتصويت وبالتظاهرات وأمثالها من وسائل الضغط يمكن تحقيق إصلاحاتٍ كانت تتطلب ثورة دامية، مما دفع “روزا لوكسمبورج” ان ترد عليها نصاً في كُتيب / كراسة “إصلاح إجتماعي أم ثورة”: “تقترح نظرية التحقيق التدريجي للإشتراكية إصلاحاً تقدمياً للملكية الرأسمالية وللدولة الرأسمالية بإتجاه الإشتراكية، ولكن كليهما يتطور في الاتجاه المعاكس بالضبط نتيجة القوانين الموضوعية التي تسود المجتمع القائم. إن عملية الإنتاج المستشرك بإطراد و تدخل الدولة و رقابتها علي عملية الإنتاج يتسعان. ولكن الملكية الخاصة في الوقت ذاته تصبح بتزايد مستمر شكلاً للإستغلال الرأسمالي المفضوح لعمل الآخرين. كذلك فإن المصالح الخاصة للطبقة الحاكمة تخترق رقابة الدولة، فالدولة أي التنظيم السياسي للرأسمالية، وعلاقات الملكية أي التنظيم الحقوقي للرأسمالية تصبحان أكثر رأسمالية وليس أكثر إشتراكية.

إن علاقات الإنتاج في المجتمع الرأسمالي تقترب شيئاً فشيئاً من علاقات الإنتاج في المجتمع الإشتراكي ولكن العلاقات السياسية والحقوق الإجتماعية أقامت بين المجتمع الرأسمالي والمجتمع الإشتراكي جداراً منيعاً يرتفع بإستمرار. ولا يتهدم هذا الجدار بتطور الإصلاحات الإجتماعية وتقدم الديمقراطية بل هو يتقوي بهما، ولن يستطيع شيئ غير ضربة الثورة القاصمة أن يحطم هذا الجدار.”

 أما ثالثة الأثافي في مقال “فاروفاكيس” فقد كانت في بيان أخطاء “ماركس” التي جعلت منه -أي “فاروفاكيس”- ماركسياً ضالاً إذ قال نصاً: "خطأ ماركس الثاني، الخطأ الذي ارتكبه مباشرة، كان أسوأ، وهو أنه افترض أن حقيقة الرأسمالية يمكن اكتشافها من نماذجه الرياضية. وقد كانت هذا أسوأ خدمة يمكن أن يقدمها لمنظومته النظرية نفسها. فالرجل الذي سلحنا وقدم لنا الحرية البشرية باعتبارها مفهومًا اقتصاديًا أساسي، العالم الذي ارتقى بالغموض الجذري إلى مكانه الصحيح في علم الاقتصاد السياسي، هو نفس الشخص الذي انتهى به الحال يلعب بنماذج ومعادلات جبرية تبسيطية وحدات العمل فيها محولة لصور كمية تماما، وهو ما يتعارض مع الرغبة في الخروج من هذه المعادلات برؤى عن الرأسمالية” وأحسب أن صاحبنا الذي كان عاماً - علي نحوٍ ما - كان يقصد "قانون القيمة” و هنا أعود لرد “روزا” علي تهافت “برنشتاين”:”يعلن برنشتاين أن قانون ماركس في فائض القيمة تجريد محض.. من الواضح أن عبارة كهذه تشكل في الإقتصاد السياسي إهانة بالغة.. ينسي برنشتاين أن تجريد ماركس ليس إختراعاً بل إكتشاف، فلا يوجد في عقل ماركس بل في إقتصاد السوق و ليس له وجود خيالي بل وجود إجتماعي حقيقي لدرجة أنه يمكن أن يقتطع ويطرق ويوزن ليوضع علي شكل نقود. فالعمل الإنساني المجرد الذي إكتشفه ماركس ليس في شكله المطور إلا النقد. هذا بالضبط هو أحد إكتشافات ماركس العظيمة ببينما ظل جوهر التقدم لغزا صوفيا حار فيه كل الاقتصاديين السياسيين البورجوازيين”.

 

لست ممن يعتبرون “ماركس” نبياً أتي بنَصٍ أو لاهوت لا تجوز مراجعته، و لست ممن يتعاملون مع “الماركسية” بإعتبارها منهجاً فقط، فقد وضع الرجل نصاً ينبغي النظر فيه حسب تطور الأحوال وظروف المجتمعات كما إبتكر منهجاً وضع فيه مثالية “هيجل” علي قدمين، وأري أن بعضاً من الماركسيين قد فهم مساومات “لينين” فهماً خاطئاً مما حدا به أن يوضح الفرق بين “مساومة ومساومة”..بين أن تسلم قطاع طريق مسلحين أوقفوا سيارتك وهددوك، وتترك لهم السيارة نفسها، لتجنب الشر وضمان السلامة الشخصية، تمهيدا للقبض عليهم.. وبين أن تعطيهم المال والسلاح، لكي تشترك معهم في اقتسام الأسلاب. يهدف النوع الأول من المساومة إلى تقليل المخاطر، وفي رفضه صبيانية يتعذر حتى قبولها كأمر جدي. يجب على السياسي الذي يريد أن يكون مفيدا للبروليتاريا الثورية أن يستطيع تمييز تلك الحالات الملموسة من مثل تلك المساومات غير الجائزة التي تعكس الانتهازية والخيانة… يتصور السذج وعديمو التجربة من الناس أنه يكفي أن نعترف بجواز المساومات بوجه عام”

رأيت "فاروفاكيس" ماركسياً ضالاً بالفعل.. مأزوماً يسقط في هوةِ تهافت "برنشتاين" و يقع في فخ الفهم الخاطئ لمساومات "لينين" الحذرة..و هنا عرفت لماذا خذل الفتي "تسيبراس" يساريي العالم.

التعليقات
press-day.png