رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

محمد مصطفى موسى يكتب: "التكريك" إرادة شعب

لا يجب على صحفي أن يكتب عن أشياء محزنة، فليس مستساغًا مع هستيريا هز الخصور، و"رجرجة" النهود، أن ينغص الفرحة بقلمه المسموم الكئيب، فلننحِ الأحزان، ونردد مع السندريلا، سعاد حسني: "الدنيا ربيع، والجو بديع، قفّل لي على كل المواضيع".. حتى لو كانت شمس أغسطس تشوي لحمنا، ورطوبة لياليه تعتقل الأكسجين من هوائنا.

الأحرى أن يغدو الكاتب مثلما الذين منحتهم الدولة لقب المواطنين الشرفاء، فيعتمر "البيادة" فوق رأسه، ويتعامى عن نحو أربعين ألفًا، من أنقى الشباب، خلف قضبان القامعين الباطشين، ومنهم مراهق مجرم اقترف ذنبًا، وأتى إفكًا حين ارتدى قميصًا عليه عبارة "لا للتعذيب"، وفتاة أصيبت بعاهة مستديمة أقعدتها كرسيًا متحركًا، بعدما اخترقت لحمها رصاصة في مظاهرة، ثم اختفت في ظروف غامضة، فأنكرت وزارة الداخلية علاقتها بالواقعة، قبل أن تعود لتعترف باعتقالها أو بالقبض عليها، وهي –أي الفتاة- تشكو اليوم، من تعرضها للتحرش، في محبسها، والداخلية تنفي كما في المرة الأولى، ومنهم مصور صحفي أمضى في السجن الاحتياطي عامين يمثلان الحد الأقصى قانونًا، لكن "دولة القانون" ترفض الإفراج عنه، فالكاميرا خطيئة، والكلمة كبيرة من الكبائر.

وليس مبررًا أن نشعر الكاتب بالمرارة، ونحن نقرأ أخبارًا عن محتجزين يموتون في أقسام الشرطة، فهؤلاء قضوا نحبهم كالعادة إثر الهبوط الحاد في الدورة الدموية، كما تقول رواية الداخلية، التي أثبتت الأيام أنها فعلا "معندهاش خرطوش".

وعلينا في أجواء الفرحة الزاعقة، أن لا يزعجنا محافظًا يرى أنه لا يعمل لدى المواطنين، وكفاية أنه "متحمل همنا ونكدنا".. شعب مزعج مقرف ربنا يأخذنا حتى يرتاح سيادته، ولا أن نلتفت إلى رئيس حكومة يدعو خريجي الجامعات إلى العمل سائقي "توك توك"، فالحكومة شالت يديها وأراحت نفسها، وربنا يعينها على بلاها وبلاهتها معًا، أو إلى وزير "يحرن" كبغلٍ حملوه بحمولة فوق طاقته، فوقف و"تربّس" في مكانه إزاء مطالب تعديل قانون الخدمة الجديد، مشددًا على أن الحكومة لن تتراجع، و"اضربوا رأسكم في ألف جدار"، ولا يجوز من قبل ومن بعد أن نراجع كبيرهم المشير المدني المنتخب، وهو يقول إن زيادة رواتب المدرسين مستحيلة، بينما بدالات القضاة تهبط عليهم من السماء، مثلما المن والسلوى، من بدل منصة إلى بدل علاج، "وما ليس بدلًا كان أعظم".

أما بالنسبة لغرق مركب كما حدث في الورّاق، وعلى متنه معذبون في الأرض، أو احتراق معذبين آخرين داخل مصنع في العبور، فتلك ليست مسؤولية الدولة، حتى لو تأخرت فرق الإنقاذ النهري أو عربات الإسعاف والإطفاء، فالدولة لن "تقطع نفسها"، تلك أقدار مقسومة، أو كما يقول شاعر قديم: "ومن كُتبت عليه خطى مشاها".

وإذا استيقظنا من نومنا، على صوت قنبلة، ومشهد أشلاء جندي مسكين، أو ضابط كان يؤدي عمله، فلا ينبغي أن نسمح للأسى بأن يستعمر قلوبنا، إنه وقت الفرح، وتحيا مصر، وموتوا بغيظكم أيها المتشائمون.

يجب أن نفرح ونقيم الليالي الملاح بافتتاح قناة السويس، عفوًا التفريعة، ونتشدق مع المتشدقين بأنها إنجاز كمعجزات سيدنا المسيح، وكرامات سيدنا الخضر عليهما الصلاة والسلام، وإذا قيل لنا إن المخلوع مبارك شق ثلاث تفريعات منها واحدة أطول بخمسة كيلومترات من الحالية، من دون صخب أو "زفة بلدي"، فلا يجب أن نفكر في الأمر، فالتفكير ليس مستحبًا، وإذا قيل أيضًا إن حفر خمسة وثلاثين كيلومترًا، في عام، باستخدام نحو سبعين بالمائة من آلات حفر العالم، ليس إنجازًا بالمقارنة بما فعله أجدادنا الذين كانوا يشقون نحو عشرين كيلومترًا سنويًا بالمعاول والفؤوس، فليس علينا أن نقف أمام الحقيقة، فهذه مزاعم كارهي الوطن والجيش من الخونة و"النشتاء والحكوكيين".

وأخيرًا إذا زعم خائن عميل بأن المشروع الجديد ليس ذا جدوى اقتصادية، فعلينا أن نخرج له لساننا ثم نكيده ونكايده، بالرقص والزمر حتى "نطمر" كل الأسئلة، وننهي كل محاولات التفكير، فالحقبة ترفع لافتة وحيدة موحدة عليها عبارة: "اضحك كرّك"، والتكريك إرادة شعب، مثلما كان مشروع النهضة في يوم ما.

التعليقات
press-day.png