رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: ماركسيون نعم وقوميون جداً

جدليةٌ هي المُعضلة، و نمطيٌ هو الإنطباع الذهني، و مُرهِقةٌ هي محاولة فض الإشتباك، لكن مفتاحُ حل اللغز متاحٌ من خلال المنهج ذاته و بقليلٍ من الإجتهاد الذي يفرضه فهم الماضي و وعي الواقع و تطور التاريخ. كان السؤال السرمدي هو كيف يمكن "لماركسيٍ" أن يكون “قومياً"..كيف يمكن "للماركسي" أن يلتقي "بالقومي” من الإساس و بأي معايير يمكن أن ينفتحا علي بعضيهما دون إخلالٍ مُتخلِصين من إرثٍ ثقافيٍ كَبل هذا الإنفتاح و حالَ دونه؟ هل هناك من دواعٍ للتفاهم و مُشتركاتُ أحتياجِ للإلتقاء في مساحةٍ ما إنطلاقاً لتغيير مستقبلٍ يبدو بائساً؟ هل يمكن أن يجتمع “الماركسي” و “القومي” علي أرضيةٍ واقعيةٍ علميةٍ و موضوعية  تتأسس علي كراهة الظلم و الإستغلال و العنصرية؟ من هنا نبدأ.. من العدو الواحد الذي ينبغي مواجهته، و أنا هنا -للإيضاح فقط- لا أقصد الكيان الصهيوني بوصفِ العدو الواحد، فهو لا يعدو من وجهة نظري سوي أن يكون مخلب القط الأبرز، بل أقصد الرأسمالية العالمية التي بلغت أكثر مراحل تطورها صوب الأسوأ مُستخدمة في سبيل ذلك كافة الوسائل و الأساليب و الأفكار التي حولتها إلي بديهياتٍ غير قابلة للنقاش كمُسلمات من صنع الطبيعة مُستعينةً بمُمَثليها المحليين و الإقليميين الذين أَنضَجتهم بتؤدة علي مر سنواتٍ طوالٍ في ظل قمعٍ سياسيٍ و ظلمٍ إجتماعيٍ دفعا شعوب المنطقة للإنتفاض في ٢٠١٠-٢٠١١..لاحظ ما كان و مازال يروجه الليبراليون من أن قوانين العرض و الطلب هي من مقتضيات الفطرة السليمة! لاحظ أيضاً طغيان الجانب الإقتصادوي من تطبيقات “ العولمة” و إنفراده بالممارسة لترسيخ مفاهيم ترمي فقط لتعزيز التبعية و الإعتمادية الكاملة علي ما تنتجه مجتمعات الشمال حسبما تيسر لها نَهبُهُ من مواد أولية من مجتمعات الجنوب. لاحظ كذلك كيف كانت فرق الإسلام السياسي التي إستولت علي الحكم في بعض البلاد العربية تروج للقوانين ذاتها في لقاءٍ تاريخيٍ بين كل ما هو رجعي و متخلف..ألا يجوز في مقابل هذا اللقاء أن يلتقي التَقدُميين علي جبهة المواجهة بشكل موضوعي لا يقوم علي مفاهيم المجتمع "القومي” العاطفية -فقط- لأجل الخروج من تلك المرحلة و تجاوزها تاريخياً إلي مرحلة أكثر إرتقاءاً و إنسانية؟ و لمَ لا يكون هذا اللقاء -في ذاته- محاولة أكثر مرونة لفهم و تطوير الواقع الذي يسبق كل المفاهيم المُقولبة و المُعدة سلفاً فيما يشبه نقد النص اللاهوتي. أزعم أن شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” الذي جمع -دون ترتيبٍ مسبقٍ- معظم الشعوب في شوارع العواصم العربية بِقدرِ ما كان يُزلزِل أركان قلاعِ الأنظمة الرجعية في المنطقة، كان يُزلزل بشكل أكثر حدة أركان النظام العالمي في دول المركز إذ كاد أن يضرب بقوةٍ طاغيةٍ -تقوم علي حركة الجموع الشعبية- مصالح تلك الدول من خلال فعلِ الرفض الإيجابي لإقصاء وكلائها المحليين بهدف صنع عالمٍ أفضلٍ خالٍ من الظلم و التبعية..الأهم في شعار “ الشعب يريد إسقاط النظام” أنه وَحَدَ تلك الجموع الشعبية فألغي الحدود الفاصلة و قَرَبَ بشكل تلقائي عبقري -ينبغي دراسته و البناء عليه و تطويره- بين تلك الجموع متخلصاً من إرث واهٍ غبيٍ صنعته أنظمة الإستبداد و القمع لإغراق الشعوب في صراعاتٍ سطحية للحيلولة دون هذا اللقاء. و لنا في لقاء الجموع الشعبية في “ تونس" و “ مصر" بالتحديد عبرةٌ و درس..هل يمكن تفسير ظاهرة التقارب بين الشعبين تحت لواء الشعار الإستثنائي المُلَخِص بعد الثورتين مباشرة..الشعوب تتقارب و تلتقي برسم الثورة علي الظلم و الإستغلال و العنصرية و نهب ثروات الشعوب.

كان “ماركس” يري أن معركته مع الرأسمالية هي معركة عابرة للقوميات و تتعداها إلي ما هو أُممي (يا عمال “العالم"، إتحدوا).. لم يكن “ماركس” -في ضوء ظروف عصره- يرفض “القومية" لمجرد كونها “ قومية” و لكن لتركيبتها و إرتباطها في ذلك العصر بعلاقات إنتاج و تبادلٍ وثيقة الصلة بالرأسمالية المُستغِلة لمجتمعاتٍ كانت في بداية تحولها من قبليةٍ إلي طبقيةٍ في مرحلة من مراحل التاريخ الذي لا يتوقف و لا يرجع للوراء بل يتطور دائما و يسير للأمام. “إن طموح البلدان العربية إلي وحدتها ليس وليد ظروف طارئة أو رغبة عاطفية، و لا نتيجة دعاية فكرية قام بها حزب أو فريق من الناس، بل هو مظهر لحاجة واقعية و نتيجة لتطور تاريخي موضوعي مستقل عن الرغبات و الإرادات”..هكذا تحدث “خالد بكداش” زعيم الحزب الشيوعي السوري مُقدماً طرحا مُتميزاً عن القومية العربية رغم معارضته الشرسة لنموذج الوحدة “العضوية” المصرية السورية في نهايات خمسينات القرن الماضي. أما “الحكيم” “جورج حبش” مؤسس حركة “القوميين العرب” و “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” فقد كان يقول “بأهمية النضال القُطري ضمن الإطار القومي و أهمية بلورة الأداة التنظيمية التي تعبئ الجماهير مع إدراك أعمق لأهمية المسألة الطبقية”، و قد قال أيضاً في وثيقةٍ هامة جداً أصدرتها الحركة -في تحليل أسباب كارثة ١٩٦٧ و ضرورة توحد القوي الثورية العربية قُطرياً و قومياً- تحت عنوان“الثورة العربية أمام معركة المصير” و هو عنوانٌ بالغ الدلالة و ممتد الأثر: “إذا كانت البورجوازية الصغيرة قد أدت دورها  إبان مواجهة الإستعمار القديم،فإنها لم تعد مؤهلة لممارسة دور القيادة علي رأس الحركة الثورية العربية في هذه المرحلة الجديدة من نضالها، و هذا يتطلب ضرورة إنتقال مقاليد القيادة إلي الطبقات و الفئات الإجتماعية الكادحة الأكثر جذرية و الملتزمة بالإشتراكية العلمية”.

فرضت الثورات الشعبية العربية في ٢٠١٠-٢٠١١ واقعاً جديداً رغم محاولات الثورة المضادة و مؤامرات الرأسمالية العالمية و وكلائها المحليين لإجهاض مسارات تطورها، لكن التاريخ "اللئيم” (كما يقول "هيجل”) لن يتوقف أبداً و لن يعود بالتأكيد إلي الوراء مهما حاول الرجعيون و الماضويون، فهناك “ تراثٌ” ندرسه، و هناك “ واقعٌ” نحياه، و هناك “ مستقبلٌ” نتوجه صوبه و علينا واجب صياغته في ضوء خبرات التراث و فهم الواقع. إمكانية التلاقي بين “الماركسي” و “القومي” مطروحة بل واجبة، و الدعوة لتطوير الوعي الموضوعي بالأزمة صارت أمراً حتمياً لا نملك ترف التضحية به، لكن الأمر يحتاج إلي نضالاتٍ بدأت و ستستمر مُرتكزة علي دعاماتٍ معرفية و ممارساتٍ غير تقليديةٍ لن يقدر علي تبنيها سوي هذين الفريقين حيث لا مجال للتعارض بل هو التلاقي و الإتساق..ماركسيون نعم و قوميون جداً.

التعليقات
press-day.png