رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

خالد البلشي يكتب: قانون مكافحة الإرهاب دستور القمع.. قراءة في معركة ليست خاسرة تماما

ربما الأزمة التي تواجه عددا كبيرا من المشتغلين بالعمل العام، خاصة إذا كانوا في مواقع تمثيلية، هو التداخل بين مواقفهم الشخصية، ومواقعهم التي يمثلونها.. وهي الأزمة التي كثيرا ما تواجهني في قضايا كثيرة يتداخل فيها رأيي كمواطن مهتم، وكصحفي له الحق في إبداء رأيه والتعبير عنه كاملا، وموقفي كنقابي يفترض أن يعبر عن جموع الصحفيين، ويحافظ على مصالحهم بشكل متكامل.. لكن محاولة الموازنة بين الموقفين، أمام القضايا التي تطال الحريات العامة، وفي القلب منها حرية الصحافة كقانون الإرهاب، لا يمكن أن يخضع لهذه الموازنة، ولا يجب أن يتم استغلاله خارج إطار الرأي الشخصي لصاحبه أو يدفع ثمنه آخرون .. هذه المقدمة تأكيدا لما هو مؤكد أن المقالات تعبر عن الرأي الشخصي لأصحابها ولا علاقة لها بمواقعهم النقابية أو الحزبية .

فأمام قانون كقانون مكافحة الارهاب جاءت مواده لتفتح الباب واسعا أمام تقنين الانتهاكات التي تمارس يوميا في حق العديد من المواطنين، وتتوسع في تعريف الإرهاب ليشمل كل نشاط طبيعي للأفراد ويؤسس لانتهاك النصوص الدستورية.. لابد أن يأتي الرأي مجردا خالصا، فالإرهاب يتغذى على القمع مثلما تتغذى الديكتاتورية وتنمو، على الإرهاب وجرائمه. ولا يمكن الصمت أبدا على إطلاق يد المؤسسات الأمنية لتمارس العصف بحقوق المواطنين وحرياتهم العامة بل وتحمي ممارستها القمعية في حقهم، بدعوى الحرب على الإرهاب، فالمادة 8 من القانون على سبيل المثال، تعفي  القائمين على تنفيذ أحكام القانون من العقوبة إذا استعملوا القوة ، وهو مايعني فتح الباب أمام هذه الجهات لاستخدام القوة دون حساب وهو مايثير الكثير من القلق في ظل تفشي انتهاك القانون، وما تمارسه اجهزة الأمن في حق المواطنين من تعذيب ممنهج تم رصده في العديد من التقارير الحقوقية ومنها تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان.. ووصلت لحد اتهامات تصفية بعض المتهمين بدلا من القبض عليهم ومحاكمتهم بدعوى حماية مأموري الضبط لـ أنفسهم.  

الأكثر من ذلك أن القانون نفسه والذي اعتبر أن الدعوة لتعطيل العمل بالدستور من بين الجرائم الإرهابية، أسس لتعطيل العمل بالعديد من مواد الدستور المتعلقة بالحقوق والحريات العامة، مستندا إلى الظروف الحالية التي تمر بها البلاد، ودون حتى أن يتم النص داخل القانون على انه قانون مؤقت ينتهي العمل به بانتهاء الظروف التي دفعت لاصداره وهو ما يعني مصادرة هذه الحقوق طالما ارتأت السلطة مصادرتها.   

عموما فإن المنهج العام للقانون جاء ليصادر فكرة الحريات العامة ويستكمل ما بدأه النظام عبر العديد من النصوص والممارسات القانونية كقانون التظاهر، وقوانين الجامعات، والشباب، من فرض سطوته الأمنية، ومصادرة المجال العام ، والاعلاء من شأن المواجهة الأمنية في التعامل مع كافة القضايا وفي مقدمتها الإرهاب، رغم أن تجارب السنوات الماضية، جاءت لتشير إلى فشل هذه المواجهة، خاصة في ظل إخراج أطراف المجتمع الأخرى من معادلة مواجهة الإرهاب عبر مواجهة فكرية ومجتمعية شاملة، وعبر آليات لتحقيق العدالة والاستجابة لمطالب الحرية والعدالة الاجتماعية.

 وهكذا فإن النظام الحالي بدلا من أن يحارب الإرهاب عبر حشد طاقات المجتمع، قرر تبني المنهج الأمني الذي أثبت فشله حتى الآن، حتى لو أدى ذلك للنيل من الحريات العامة  من باب الحرب على الإرهاب.. وبدلا من أن تستمع الحكومة ويستمع النظام الحالي لكل النصائح التي خرجت لتؤكد له أن محاربة الإرهاب لا تكون بمصادرة الحريات العامة بل بإدخال المجتمع كشريك رئيسي، في مواجهة جماعات العنف فإنه اختار ضرب الجميع بقانون واحد.. وهو اختيار ليس جديد على النظام الحالي وتوجهاته للعصف بالحقوق والحريات العامة ولكم في العديد من ممارساته في مواجهة المطالبين بالحرية وحبس الشباب والانحياز لرجال الأعمال على حساب الطبقات الفقيرة خير دليل.

عدم استجابة النظام للنصائح ظهرت أيضا بشكل واضح في تجاهله لأغلب التوصيات التي قدمتها، مؤسسات المجتمع المختلفة لتعديل القانون، رغم أن بعضها قرر التعامل مع القانون بمنطق تقليل المخاطر  بدلا من التصدي الكامل له، خاصة في ظل تصاعد العمليات الإرهابية التي تستهدف الدولة المصرية ومؤسساتها بل وتستهدف المواطن العادي في حياته وقوت يومه والخدمات العامة الموجهة له .. فعلى سبيل المثال فإن القانون بصورته النهائية تجاوز غالبية تعديلات، وملاحظات نقابة الصحفيين، ففي الوقت الذي قدمت فيه النقابة ملاحظات على خمسة مواد بالمسودة الأخيرة لمشروع القانون وتوصيات تخص موادا أخرى، فإن القانون تعامل جزئيا مع ملاحظة واحدة،  ولم يتعرض لبقية المواد المتعلقة بحرية الصحافة، وتم إقرار المواد كما هي، تحت أرقام 28 و29 و36 و37 في القانون بعد إصداره ليتم المحافظة على العديد من العبارات الفضفاضة التي تضمنها القانون والتي تفتح الباب لتؤيلات واسعة قد تطال حرية الصحافة وتعيد الحبس في قضايا النشر من جديد عبر أبواب خلفية.

 وحتى في المادة الوحيدة التي تم التعامل فيها مع ملاحظات النقابة، وهي المادة 33 في المسودة الأخيرة للمشروع والتي أصبحت المادة 35 في قانون "مكافحة الإرهاب" بعد اقراره فإن المشرع حاول قدر الإمكان الحفاظ على المنهج العام للقانون والذي جاء لينتهك نصوص الدستور المصري في مجال الحقوق والحريات العامة فالمشرع استبدل المخالفة الدستورية الخاصة بالحبس في المادة 33، والتي تم إلغاؤها في المادة المعدلة 35 في القانون الجديد، بمخالفة دستورية جديدة اعتدت على حق النقابة المنفرد في المحاسبة التأديبية، لأعضائها بما يشكل مخالفة دستورية جديدة لنص المادة 77 من الدستور ومخالفة للمادة 34 من قانون تنظيم الصحافة 96 لسنة 96، والتي تؤكد أن النقابة هي الجهة الوحيدة المسموح لها بمحاسبة أعضائها تأديبيا .

ورغم أن إلغاء الحبس في المادة 35 من القانون الذي تم إقراره منذ يومين هي في ظاهرها خطوة على الطريق الصحيح، لكن المبالغة في الغرامة، والتي وصلت إلى 500 ألف جنيه جاءت لتنال من هذا التقدم وتفتح بابا خلفيا للحبس، بل وتفتح الباب أمام إغلاق بعض الصحف خاصة بعد أن استحدثت المادة الجديدة عقوبة على الصحيفة، وإدارتها بما يرفع  حدود الغرامة على الجريمة لحدود ربما تتجاوز قدرة بعض الصحف على الدفع في ظل مناخ عجزت فيه العديد من الصحف عن الوفاء بمستحقات العاملين فيها ومرتباتهم. ولكن هذا لا ينفي أن اجتماع الجماعة الصحفية على رفض المادة ومقاومتهم لها، خرج على الاقل بانتصار وهو حماية أحد مكتسبات الرئيسية، وهو عدم النص المباشر على الحبس في قضايا النشر وهي المعركة التي لابد من البناء عليها في المستقبل.

تقدم آخر ظاهري حققته الجماعة الصحفية، على مستوى صياغة المادة 35، ولكنه لم يصادف روح القانون نفسه تمثل في التعديلات التي أدخلت على المادة ذاتها ، والمتمثلة في قصر التجريم في مخالفة البيانات الرسمية على البيانات الصادرة من وزارة الدفاع ، وهذا التقدم وإن كان في ظاهره خطوة ايجابية، لكن الحقيقة الواقعة أن الدولة لم تكن بحاجة لتضمين ذلك في القانون الحالي خاصة وأن القوانين المتعلقة بالجيش ووزارة الدفاع تحوي موادا مشابهة، وتقوم بعملها، وهو ما يفتح باب المخاوف من أن يكون ذلك بداية لفتح باب تغليظ الغرامات في العقوبات المتعلقة بالنشر والعلانية بما يجاوز حجم العقوبة إلى حد مصادرة الحق من الأساس.

وربما يظل أحد الجوانب الإيجابية ايضا في تعديل المادة 35 هي أنها أسست لاستعادة مبدأ المسئولية التضامنية بين الصحفي ومؤسسته فيما يتعلق بالغرامات، وهي خطوة يجب تعميمها، في إطار عقوبات منضبطة، وليس غرامات مبالغ فيها كالواردة في نص المادة.. حتى لا تتحول الغرامة إلى بوابة للحبس، أو عقوبة جماعية يدفع ثمنها جميع العاملين في الجريدة في حالة العجز عن سداد مبلغ الغرامة.

ونتيجة للمنهج الحاكم للقانون فإن من صاغوه وفي محاولة لتعويض ما فقدوه عبر إلغاء النص المباشر على الحبس فإنهم أضافوا عقوبة جديدة تمثلت في منح المحكمة الحق في منع الصحفي من مزاولة عمله لمدة قد تصل لسنة ، وتجاهل من وضعوا هذا النص ليس فقط ان ذلك يخالف نصوص الدستور وبعض القوانين القائمة، بل تجاهلوا أيضا أن القانون بصورته الأخيرة، والتي جاءت لتعتدي على السلطة المنفردة الممنوحة للنقابة في محاسبة اعضائها، هو خطر يهدد المهنة، ويحول النقابة إلى مكان لتقديم الخدمات للأعضاء ويحرمها من دورها الأساسي في مراقبة أعضائها وحسابهم، وتطوير المهنة والارتقاء بها بعد ان تم منح سلطة المحاسبة التأديبية للمحكمة وفي هذه الحالة ستجد النقابة نفسها مضطرة للوقوف في موقف المدافع الدائم.

هذا التجاهل ربما يمتد أثره أيضا إلى القوانين الجديدة لتنظيم الصحافة والإعلام، ومن بينها المشروع الموحد لقانون الصحافة والإعلام والذي أعلنت عنه اللجنة الوطنية للتشريعات الصحفية قبل يومين، والذي جاء على رأس أهدافه تعظيم دور النقابات في ضبط الانفلات في المناخ الصحفي بشكل عام.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل أن إصدار القانون في نفس يوم الإعلان عن المشروع الموحد للصحافة والإعلام وفتح النقاش المجتمعي حوله، - والذي ربما جاء بالمصادفة البحتة - جاء ليرسل رسائل عكسية. فبدلا من ان تنشغل الصحافة والاعلام بتنقيح مواد القانون وتطوير نصوصه لتنظيم حريتها، ويكفل للمجتمع حقه في الحصول على المعلومات وكذلك محاسبة من يخطيء في حقه، فإن العقوبات القاسية والنصوص المطاطة جاءت لتثير القلق من جديد حول مستقبل مهنة رأى أصحابها أنهم يضعون أقدامهم للمرة الأولى على الطريق الصحيح من خلال التنظيم الذاتي لمهنتهم الذي يضمن التوازن بين حريتها وحقوق جميع الأطراف وعلى رأسهم المواطن صاحب الحق الأصيل في المعرفة.

وهكذا فإن القانون بشكله الأخير جاء ليؤكد، أننا أمام نظام لا يزال عاجزا حتى عن تلقي الرسائل المباشرة والتي تحولت بعضها لرسائل نمطية من فرط تكرارها وعلى رأسها أن محاربة الإرهاب لا تكون عبر نصوص قانونية مهما بدت قوتها فإنها ستعجز عن مواجهة أفكار الإرهابيين ما لم تدعمها مواجهة فكرية وثقافية، عبر إطلاق الحريات وفي القلب منها حرية الصحافة لتكون طرفا رئيسيا في مواجهة الفكر المتطرف، وعبر الاحتفاظ لها بدورها التاريخي كأحد "جنود الحرية" والتصدي للتطرف في معارك الوطن. 

لكن معركة الصحافة والصحفيين وما تم تحقيقه من انتصارات محدودة ، هنا أو هناك – حتى لو تم سحبها عبر طرق خلفية -  جاءت أيضا لترسل رسائل لكل من يعمل من أجل الحرية أن المعارك الواضحة ربما تحقق بعض أهدافها، و لتؤكد على ضرورة العمل عبر كافة السبل القانونية لبناء مؤسسات حرة ومتحررة من كافة الضغوط وقادرة على خوض معارك الحرية،  ولو في أدنى صورها، وهو ضمان التزام القانون بنصوص الدستور ، حتى لا تتحول نصوص مصادرة الحرية إلى نصوص دائمة تغلق الأبواب أمام الحركة في المستقبل.

ويبقى الرهان الأساسي للقوى الديمقراطية هو العمل على بناء جبهة موحدة قادرة على التصدي لانتهاك الحريات وعودة سياسات القمع تحت مظلة الحرب على الإرهاب.   جبهة يكون هدفها مواجهة ديكتاتورية النظام، والتصدي لجماعات العنف والإرهاب وأفكارها  المتطرفة عبر إطلاق الحريات العامة وتفعيل نصوص الدستور خاصة في مجال الحريات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.. لا السعي الحثيث لإهدارها عبر قوانين وإجراءات استثنائية تطال الجميع، وانحيازات لصالح طبقات بعينها على حساب الطبقات الأكثر احتياجا. 

التعليقات
press-day.png