رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : "المُنيرُ" الذي مازال "يُجَاهد"

عرفته منذ زمن بعيدٍ لكني لم ألتقِ به شخصياً إلا بعد الحدث الأعظم من خلال عزيزٍ لدينا..كان الحدث الاعظم هو "يناير" الساحر و كان عزيزنا هو "سامر سليمان" الذي مازال معنا بكل مُوجِباتِ الروح و إن سبقنا -كعادته- لينتظرنا في مكان آخر حيث لا شيئ سوى الخير و الحب و الجمال و الحق. إلتقيت بالرجل منذ بضع سنوات من خلال "سامر سليمان" قائداً لمؤسسة "مصريون في وطن واحد" التي تعمل علي مكافحة كل أشكال التمييز بين أبناء هذا الوطن المُبتلى بإنحيازاتِ الدين و المذهب و العِرق و اللون و اللهجة و الجنس..دعاني للإنضمام لمجلس أمناء المؤسسة، فقبلت (و هل لِقادرٍ أن يرفض شرفاً رفيعاً كهذا) و شاركته عملاً مُضنياً ضمن كوكبة من أنبل أبناء مصر..

عاونتُهُ و أصدقاءَ أعزاء في عقد ندوات و مؤتمرات و إعدادِ أوراق عمل قُدمت لرئيس الجمهورية الحالي و السابق و لرئيس لجنة الخمسين أثناء عملها في صياغة دستور 2014 لإلغاء مواد التمييز و الحيلولة دون إنتشاره وإنشاء مفوضية لمكافحته، لكن شيئاً لم يتغير و أحداً لم ينصت وإزدادت الأمور إستفحالاً اللهم إلا النص غير المُفَعل للمادة 53 من الدستور بشأن إنشاء المفوضية التي لم تجد طريقها للنور حتي الآن منذ أكثر من عام و نصف العام..

كان الرجل أحد قيادات الحركة الطلابية في سبعينات القرن الماضي (السبعينات و ما أدراك ما السبعينات)..في بدايات الثمانينات أتم دراسته العليا في بلاد الضباب ثم عاد ليساهم في تخريج أجيال من العلماء لكن كانت مساهمته الأهم هي في تحقيق المشروع/الحلم ..المفاعل النووي..شارك في تخطيط المشروع و رسم مساره ثم تصدي كأي وطني شريف لمؤامرات مافيا الأراضي للإستيلاء علي موقع مشروع المحطات النووية بالضبعة و عمل بكل الجهد و العلم كي يري هذا المشروع النور..

شارك في ثورة الشعب المصري في يناير 2011 و ساهم في تأسيس حزب "التحالف الشعبي الإشتراكي".. جَابَ مصر من شَمالِها إلي الجنوب مُوَثِقاً ما إستطاع من أحداث التمييز والعنف الطائفي، وداعياً إلي المساواة و المواطنة رغم متاعبه الصحية التي تنوء عن حملها الجبال..

لا أنسي زيارتنا في الشتاء الماضي إلي الإسكندرية لعقد ندوة عن مفوضية مكافحة التمييز..كنا أربعة: دكتورة فاطمة خفاجي و الصديق العزيز محمد العجاتي و العبد لله إلي جواره..كان قد أنهى صباح ذلك اليوم جلسة علاج مُرهقةٍ للغاية، و أصر علي السفر معنا..بعدما عدنا إلي القاهرة كانت زوجته الفاضلة المناضلة سليلة المناضلين في إنتظارنا علي رصيف محطة القطار..نزلنا بضع درجاتٍ للعبور من خلال نفقٍ إلي ساحة إنتظار السيارات، فإذا به يتوقف عن المسير للحظات و يتكئ علي ذراع السيدة الفاضلة زوجته كاظماً ألماً عظيماً لنجلس علي إحدي الأرائك الإسمنتية فيرتاح هو قليلاً و أخفي أنا دمعاً عزيزاً إنساب من مُقلَتَيَّ.

لم يبغِ خلال رحلة العمر -أمد الله في عمره و مَتَعهُ بالصحة- سوى وجه الوطن و أهله، فلما أُحيل بمقتضي السن إلي التقاعد، إنتُدبَ مستشاراً للمشروع/الحلم..المفاعل النووي..إلي أن أبلغه رئيس هيئة المحطات النووية مؤخراً أنه قد تقرر إستبعاده من المشروع بناءً علي أوامر جهة سيادية لوجود تحفظات أمنية علي شخصه الكريم! في الوقت الذي تعود فيه عقارب الساعة بسرعة شديدة لما بعد الوراء، يتم إقصاء الرجل و حرمانه من مواصلة مسيرةٍ عسيرةٍ في خدمة مصر علي هذا النحو.."تحفظاتٍ أمنية".. شديدُ الإيلام -ربما أشد من ألم المرض و جلسات العلاج- أن تُنسب هكذا شُبهةٍ لهكذا رجل، و مدينونَ هم مسئولو هذا البلد بالإيضاح ثم بالإعتذار للنبيل المناضل الذي له من إسمه نصيب، فهو "المُنير" الذي مازال "يُجاهد"..تحيةٌ واجبةٌ من القلب و إحترامٌ مُستَحقٌ من العقل للوطني الشريف "محمد منير مجاهد".

التعليقات
press-day.png