رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب عن : الهدر المالي في الموازنةِ المصرية 2015-2016

خطأٌ شائعٌ هو الظن أن الموازنة ما هي إلا أرقامٌ متراصةٌ جامدةٌ لا رُوحَ فيها و تحتاج -فقط- إلي مُجردِ موظفٍ مُطيعٍ بدرجة وزير للمالية هو بالأساس محاسب "شاطر"  يعمل معه فريق ممن يجيدون إجراء العمليات "الحسابية" من جمع و طرح و خلافه. و أزعم أن سنوات راعي الفساد و المفسدين المخلوع "مبارك" قد ساهمت في ترسيخ هذا الفهم لدي قطاعٍ كبيرٍ من المصريين مما أفضى إلي تكوينِ شريحةٍ إجتماعيةٍ إرتبطت مصالحها بوجود و إستمرار نمطٍ إقتصاديٍ شاذٍ قائمٍ علي تعاليم النيوليبرالية المنقرضة. تبوأ من تلك الشريحة الإجتماعية من تبوأ المسئولية عن ماليةِ مصر و سار علي دربهم كثير من الأتباع من أنصاف الموهوبين ممن تسببوا فيما آلَ إليه مجتمعنا من وضعٍ ماليٍ مُخزٍ و بائسٍ و حالةٍ إجتماعيةٍ تَعسةٍ و مؤسفة. سيكون طرحي المتواضع بهذا المقال مُنطَلِقاً من وجهة نظرٍ سياسية و إجتماعية لا إقتصادية فقط، فهذه العلوم الثلاث (السياسة و الإجتماع و الإقتصاد) تتضافر معاً -و إن كان لكل منها قوانينه الخاصة- في مسارٍ واحدٍ لا يجوز فصل أي من سياقاته عن بعضها. لا يمكن لأي موازنة لمصر أن تُعَبر عن خطط مستقبلية ما لم تأخذ في الإعتبار ثلاث أمور أساسية و هي 1) وسائل كبح جماح الإستيراد الفاحش الذي يرسخ التبعية السياسية مُهدراً كل إمكانيات التنمية الحقيقية و يستنزف رصيد إحتياطي النقد الأجنبي الذي دخل في درجةٍ حرجةٍ من درجات الخطر. 2) وسائل تمويل عجز الموازنة من مصادر ذاتية لا من خلال الإقتراض الذي وصل إلي مستويً فاحشٍ ستتحمل عبئه الأجيال القادمة. 3) الإنحيازات التي تعكسها الموازنة من زاوية مستويات الإنفاق الإجتماعي مع تحديدٍ واضح للفئات المستفيدة منه و الفئات التي تتحمل عبء تكلفته. في هذا السياق يمكننا إلقاء الضوء علي "بعض" نقاطٍ جوهريةٍ (بمعايير الأهمية النسبية) في الموازنة بلا إسرافٍ في مناقشاتٍ حول الأرقام المجردة تستغرقنا و من ثم تستهلكنا فتخرجنا عن فهم روح الموازنة، و لا إخلال بها للدرجة التي تفقدها حيويتها. سنستعرض ثلاث عناوين فقط:

أولاً: في الهدر المالي - الصناديق الخاصة و المكافآت و الحوافز:

نصت المادة العاشرة من قانون ربط الموازنة علي أن تؤول للخزانة العامة للدولة نسبة 10% من إيرادات الصناديق و الحسابات الخاصة التي قدرتها الحكومة حسبما ورد بالجدول رقم 16 الخاص بالإيرادات الأخري بمبلغ 2.1 مليار جنيه، بما يعني أن إجمالي إيرادات الصناديق المتوقع هو مبلغ 21 مليار جنيه، فما بالك إذن بأرصدة موجوداتها؟ للإجابة علي هذا السؤال، دعونا نلقي نظرة علي خبر قديم نسبياً كان قد نُشر في 18 مايو 2014، بموقع جريدة الأهرام "الحكومية" مفاده أن الجهاز قام بإعداد مذكرة قُدمت للسيد عدلي منصور رئيس الجمهورية و للسيد إبراهيم محلب رئيس الوزراء آنذاك تتضمن أنهم قد قاموا بحصر عدد 6373 صندوق تبلغ حجم موجوداتها 66 مليار جنية (الرابط الإلكتروني http://gate.ahram.org.eg/NewsContentPrint/14/57/491769.aspx). تُري كم يبلغ حجم موجودات تلك الصناديق الآن. تضمنت المصروفات بالموازنة نحو 20 مليار جنيه تحت بند الإحتياطيات العامة و هو بند يخصص للإنفاق منه في الحالات الطارئة غير المتكررة. تجد أن بند الأجور بالموازنة قد تضمن نحو 87 مليار جنيه كمكافآت من ضمنها نحو 12 مليار جنيه بحساب رقم 21110301 "تعويض العاملين عن جهود غير عادية" و نحو 11 مليار جنيه (كود رقم 21110322) "تكاليف حافز إثابة إضافي" (بخلاف تكاليف حافز الإثابة الأصلي كود رقم 21110303 بمبلغ 7.5 مليار جنيه) و نحو 4.5 مليار جنيه (كود 21110321) "مكافآت أخري". سأكتفي بهذا القَدْر فقط لأتسائل أسئلة "إستنكارية" لا "إستفهامية" بشأن ماهية تلك الجهودٍ غير العادية و حوافز الإثابة التي يخططون لدفع مكافآت مقابلها في الوقت الذي ينتقد فيه وزراء المجموعة الإقتصادية أداء موظفي الدولة ليل نهار و ما هي طبيعة المكافآت "الأخري" و من يحصل عليها و لقاء أي نشاط.

ثانياً:  في العدل الإجتماعي – الأجور و الدعم و الضرائب:

يتصور البعض أن الزيادة التي أدخلتها الحكومة علي إجمالي قيمة الأجور و التي قد بلغت (الزيادة) نحو 11 مليار جنيه و كذا الزيادة في دعم صناديق المعاشات بنحو 19 مليار عن موازنة العام السابق هي من قبيل إنحيازها للمواطن الفقير. إن زيادة الأجور و المعاشات كانت ستصبح محل تقدير إن واكبتها زياداتٌ أخري في أرقام الدعم (و خاصة دعم السلع الغذائية و المواد البترولية) تتناسب مع زيادة الضرائب علي الفقراء حتي تؤتي الزيادة في الأجور ثمارها بالفعل علي أرض الواقع و لا تكون مجرد زيادة رقمية تعكس في حقيقتها نقصاً في القدرة الشرائية للفقراء. ما الذي حدث إذن؟ قررت حكومتنا زيادة دعم السلع الغذائية بمبلغ 6 مليار جنيه و هو أيضاً علي المستوي الرقمي المجرد شيئ إيجابي، لكنها في المقابل قامت بخفض دعم المواد البترولية و الكهرباء (معاً) بنحو 34 مليار جنيه و قامت بزيادة تقديراتها لضريبة المرتبات بنحو 5 مليار جنيه و الضريبة العامة علي المبيعات التي يدفعها المصريون جميعاً بنفس القدر و دون إستثناء يتعلق بتفاوت دخولهم بمبلغ 22 مليار جنيه دفعة واحدة. مما يعني ببساطة أن ما دفعته حكومتنا من زياداتٍ نقديةٍ في الأجور و المعاشات أخذت أكثر منه في شكل خفض في دعم الفقراء و زيادة في الضرائب التي يدفعونها.

ثالثاً: في تمويل عجز الموازنة – الإقتراض:

قدرت الحكومة أن نفقاتها خلال العام ستزيد عن مواردها بمبلغ 251 مليار جنيه و هو ما يُمثل قيمة العجز المتوقع الذي سينخفض إلي 235 مليار جنيه بعد ورود حصيلة حيازة أصول حسب رؤية الحكومة التي قدرت أن هناك أقساط و فوائد عن ديون قائمة بالفعل سوف يُستحَق سدادها خلال العام بمبلغ 275 مليار جنيه، و عليه فإن العجز الحقيقي الذي يتعين علي الحكومة بحث سُبل تمويله سيكون في حدود مبلغ 510 مليار جنيه. و قد لجأت الحكومة إلي أسهل الطرق -لكنه الأكثر ضرراً علي المستقبل- لتغطية العجز من خلال مزيد من "الإقتراض". تجدر الإشارة إلي أن أحداً بالبنك المركزي أو وزارة المالية لم يفصح عن حجم الديون الداخلية أو الخارجية الآن علي وجه القطع حتي يتسني لنا تقديم تصور موضوعي عما عساه سيكون حجم ديون مصر في العام القادم بعد تمويل العجز المتوقع من خلال الإقتراض.

ما العمل إذن؟ لابد من تغيير فلسفة إعداد الموازنة التي مازالت تُرسمُ كما لو كان الفاسد الهارب "يوسف بطرس غالي" يسعى علي قدميه في أروقة وزارة المالية. سيكون الأثر بالغاً في خفض عجز الموازنة المتوقع بشكل حقيقي و دون الإقتراض أو زيادة أعباء الفقراء الحالية أو المستقبلية إن تم ضم الصناديق الخاصة للموازنة، و الغاء الاحتياطيات العامة، و هيكلة الأجور من خلال إلغاء مكافآت المستشارين الذين يُعاد تعيينهم دون حاجة حقيقية لعملهم، و فرض ضرائب تصاعدية جادة، و إلغاء دعم الطاقة علي الشركات كثيفة الإستهلاك للطاقة التي تبيع بالأسعار العالمية، و العمل الجاد علي تحصيل أموالنا التي هُربت للخارج، و تحصيل فروق أسعار الأراضي التي بيعت بأثمان هزيلة أيام راعي الفساد و المفسدين المخلوع "مبارك"، و التفاوض مع إسرائيل و قبرص لإسترداد حقول غاز المتوسط التي إستوليا عليها منذ أعوام قليلة. بالإضافة إلي حلول عجز الموازنة التي أشرت إليها، فإن هناك حتمية "للتخطيط" الزمني و بشكل علمي لتغيير نمط الإقتصاد المصري من ريعي-إستهلاكي إلي تنموي-إنتاجي بإنشاء منظومة تصنيع كبري و تطوير الزراعة لتحقيق الإكتفاء الذاتي من الغذاء بما يقتضي تمويلاً ذاتياً منتظماً للدولة من خلال موارد حقيقية و جادة في ظل مناخ ديمقراطي إيجابي و إطلاقٍ كاملٍ للحريات السياسية و عدالة إنتقالية ناجزة. لا يعدو ما ذكرتُ بهذا المقال سوي أن يكون تحليلٌ سياسي إجتماعي مُقتضبٌ جداً لبعض بنود الموازنة الجديدة..مجرد غيضٍ من فيضٍ لعرض كيفية إهدار و سوء إدارة ثرواتِ شعبٍ كريمٍ صار أغلب أبناءه يأكلون من صناديق القمامة.

 

 

 

التعليقات
press-day.png