رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : "الكُتلةُ التاريخية" بَين العِلمِ و الطُوبَاوية

 

كان صاحبنا يري أن كل شيئ قابل للنقد وفقاً للمنهج، فالمنهج ثابت و محل للتطبيق علي أي قضية بغض النظر عن طبيعتها الخاصة..المنهج يحض علي التفكير..و التفكير تراكمي و متطور و متقدم للأمام بطبعه.. اختلف مع التطبيقات التي أفضت في النهاية إلي سيطرة البيروقراطية مما أدي إلي إنهيار الدولة التي قامت علي رؤية "اكتمال" النظرية..لم يكن الرجل إذن "سَلَفياً" بهذا المفهوم و علينا أن ندرسه بالعمق الكافي لمحاولة الخروج بما يمكن أن يفيدنا من تجربته و رؤاه التي صاغها في ظروف مجتمعية و زمنية أخري قد تتشابه علي نحوٍ ما مع ما نحن فيه الآن، فنأخذ منها ما يُناسبنا و نترك ما لا يتفقُ مع مُقتضيات الحال. توقفت كثيراً جداً عند صياغات الرجل و إجتهادات من بحثوا في تراثه -و بخاصة المفكر المغربي المرحوم "محمد عابد الجابري"- بالتحديد عند مسألتين مترابطتين و هما "الكتلة التاريخية" و"المثقف العضوي" اللذين ينبغي علينا تناولهما في إطار الفهم الشامل لكل أو لمعظم إجتهادات الرجل حتي لا تُتنزع الأفكار من سياقاتها الموضوعية فتتشتت الرؤي و تكون النتائج كارثية بحُكم بنائها علي أُسسٍ غير موضوعية.

كان صاحبنا ينادي بتجميع أكبر عدد ممكن من القوي السياسية والنقابية والثقافية والشرائح الإجتماعية الإيطالية في إئتلاف واحد أسماه "الكتلة التاريخية" لمواجهة الفاشية التي إستفحلت في بلاده بعدما ثبت لديه أن حزباً سياسياً واحداً لن يتمكن بمفرده من هزيمتها. و لا يجب الخلط هنا بين "الكتلة" التي قصدها صاحبنا و بين "الجبهة"، فالجبهة تهدف إلي مواجهةٍ مرحليةٍ بغرض تحقيقِ هدفٍ مؤقت. و يحضرني للتدليل علي ما أعنيه مثالُ "جبهة الإنقاذ" التي ساهمت –بشكلٍ أو بآخر- في إسقاط دولة الإسلام السياسي، إذ كان هذا هو هدف الجميع (إشتراكيون وليبراليون وناصريون وديمقراطيون إجتماعيون) الذي ما إن تحقق إلا و قد ذهب كلٌ إلي حالِ سبيله. إذن العمل الجبهوي مؤقتٌ لا محل فيه لتراكمٍ يصنع مشروعاً للمستقبل. أما بخصوص "الكتلة التاريخية" ،التي يجب أن نتفهم معناها في سياق فهم فكر صاحبنا و بالذات رؤيته للمثقف العضوي، فهي تعني تجميع القوي المتشابهة أو المُتقاربة فِكرياً/أيديولوجياً و التي تضم قوي إجتماعية و سياسية و نقابية تطرح نفس الخطاب بتنويعات قد تختلف في درجتها، و يقودها طليعة تتكون من المثقفين العضويين غير المُتعالين و المشتبكين إيجابياً مع قضايا الطبقة و الوطن..و هنا تكمن الأزمة و تُثارُ التساؤلات ليكون حلُ الخروج من المأزق التاريخي: هل نحنُ بحاجة في مصر الآن لعملٍ جبهويٍ، أم لإندماج أحزابَ سياسية، أم نحتاج إلي صيغَ جديدة للتقارب تكون عابرة للأحزاب و حاوية لها في نفس الوقت دون الإخلال بإستقلالية تنظيماتها.. هل يمكن تطبيق صيغة "الكتلة التاريخية"، التي يلعب فيها "المثقف العضوي" - غير المُتعالي و المُشتبك عضوياً مع قضايا الوطن- دور الناظم المُبَلوِر للوعي علي الواقع المصري الآن..و هل يمكن أن تمتد تلك الصيغة للواقع العربي المُشابه في مجتمعات مشابهة كالمجتمع التونسي مثلاً أو حتي السوري.. وهل يمكن أن تتطور تلك "الكتل التاريخية" المحلية -إن تحققت- فتكون أكثر إشراقاً لتنتظم معاً في كتلة إقليمية يكون لها تأثيرٌ أعمق في التاريخ الإنساني كله.. هل يمكن أن يتحقق كل ذلك دون مواجهة يقودها "المثقفون العضويون" تشتبك فكرياً مع التراث الماضوي المهزوم وتقدم رؤية حداثية للمستقبل تُبنى علي دعامتي الديمقراطية و العدل الإجتماعي لتحقيق الإستقلال الوطني.. هل يمكن لحزبٍ سياسيٍ واحد أن يقود تلك المواجهة وفق هذين الملمحين معاً: الديمقراطية و العدل الإجتماعي أم أن الأمر يقتضي تجميعاً لقوي سياسية وإجتماعية ونقابية اتفقت علي حدٍ فكريٍ أدنى لغرض تكوين تصور واضح المعالم لمشروعٍ مستقبليٍ مختلف.

صيغ محلية متعددة تتقارب مع صياغة صاحبنا وجدت طريقها للنور و كان آخرها "المنتدي الوطني المستقل" الذي قام علي أسس موضوعية لتقديم مشروعٍ للمستقبل. نحن إذن لسنا إزاء حلمٍ طوباويٍ بل هي تجربة علميةٍ تحققت أولي مراحلها علي أرض الواقع في ضوء تراكم ثقافي عبر سنين من التجارب و الخبرات..فلننظر جميعاً في مفاهيم "الكتلة التاريخية" و دور "المثقف العضوي" و لنطور معاً -حسبما يتناسب مع واقعنا- طروحات صاحبنا العظيم "أنتونيو جرامشي".

 

التعليقات
press-day.png