رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : في إنتظارِ حِراكٍ جَديد

يصنع الإستبداد والقمع مجتمعات أُحادية الرؤيةِ و التوجه والسلوك.. مجتمعات لا تُفكر فلا يوجد بها ضِدين، حيث لا تناقض حقيقي يُفضي إلي جدلٍ جادٍ يُتَقَبل بمرونةٍ و ديمقراطية..الإستبداد والقمع يؤديان إلي ما يشبه التصلب في شرايين تلك المجتمعات و التيبُس في عضلاتها، فيُضعفها ويفقدها حيويتها ويؤول بها إلي الهاوية لتكون تلك هي نهاية مجتمعاتٍ شُيدت علي دعائم الإستبداد والقمع، فما بالك إن إقترن الإستبداد و القمع بنمطٍ إقتصاديٍ فاحشٍ و ذميم..نمطٌ يقوم علي اللصوصية والنهب والإستغلال والظلم الإجتماعي.. إنه الثالوث غير المُقدس: "الإستبداد- القمع- النمط الإقتصادي المُشَوه". في ظل تراثٍ ماضويٍ مُتخلف و ظلامي، أنتج هذا الثالوث في بلادنا نمواً رَثاً (لا أقول تنمية) حيث توقفت الصناعة الحقيقية، و تدهورت أحوال الزراعة، و إرتفعت مُعدلاتُ البطالة، و تضخمت الديون، تنامى عجز الموازنة، وإزداد الإعتماد علي الخارج فإستفحل الإستيراد و إنحدر إحتياطي النقد الإجنبي و فقدت العملة المحلية قدراً ملموساً من قيمتها. كان هذا هو وصفٌ -حاولتُ جاهداً أن يكون مُحَدَداً و مختصراً- لملامح ما كان الحالُ عليه عشية 25 يناير 2011. علي الرغم من أنه قد مرت تحت الجسر منذ ذلك التاريخ مياهٌ كثيرة كان من المُفترض أن تؤدي إلي تقدمٍ علي نحو ما، إلا أننا مازلنا أمام مجتمعٍ تضائلت فيه مساحة الحريات المدنية مقابل إمتيازاتٍ غير مسبوقة للقوات المسلحة، و تباعدت فيه الهوة بين "قوي" الإنتاج و "علاقات" الإنتاج التي تحولت شيئاً فشيئاً من كونها وسائل تتطور تلك القوي من خلالها إلي قيود تحولُ دون تقدمها، إذ فُرِضت قوانين "مُشجعة" و "داعمة" للفساد كقانون قصر حق التقاضي علي طرفي التعاقد، و قوانين أخري مُكبلة للحريات كقانون التظاهر و بعض مواد قانون مكافحة الإرهاب، و قوانين ثالثة مُعيقة للتطور الديمقراطي كقانوني الإنتخابات و تقسيم الدوائر.

في ظل هكذا مناخ، هل يمكن ممارسة حالةٍ من الديمقراطية الحقيقة التي تقوم علي المساواة في الحقوق السياسية بينما هناك تفاوت حاد جداً في الحقوق الإجتماعية و الإقتصادية؟ دعونا نعيد صياغة التساؤل بشكلٍ أكثر تركيزاً علي مُقتضى الحال: في ظل هكذا مناخ، هل يُمكن للبرلمان القادم أن يساهم في ضبط الإيقاع العام فيوقف تَوغُل و تَغوُل الثالوث غير المُقدس، و يعمل علي تفكيك تناقض قوي الإنتاج و علاقاته من خلال منظومة تشريعات تتحرك في هذا الإتجاه؟ المُتأمل في اللافتات الإنتخابية للمرشحين الأفراد -إلا من رحم ربي و هم قليلون جداً- يمكنه أن يدرك بسهولة الملامح الظاهرة للمرحلة التي نحن مُقبلون عليها: إختفاءٌ شبه كامل لرموز يناير تحت وطئة سياط التشهير و التشويه من ناحية، و نقص القدرة المادية من ناحية أخري، و قيود القوانين المُكبلة التي حالت دون إمكانات تطوير المناخ السياسي إيجابياً من ناحية ثالثة..ظهورٌ علي إستحياء لوجوهٍ جديدة تماماً يُحسب بعضها فكرياً علي اليسار و بعضها علي اليمين من أحزاب و قوى مختلفة و مُستقلين لا ملامح إنحياز إجتماعي واضح لهم..حُضورٌ جَليٌ لممثلي جماعات الدين السياسي المُتحالف مع السلطة (أي سلطة) الذين لا تاريخ نضالي لهم و لم يُضبطوا مرة مُتلبسين بموقفٍ سياسيٍ أو إجتماعيٍ واضح..ظهورٌ ملموس لوجوهٍ لم تجد الفرصة في قبول ترشحها علي قوائم الحزب الوطني المقبور في 2010 حيث لم ترقَ لمجرد أن تنطبق عليها معايير دخول المجمع الإنتخابي التي وضعها الفتي الشيطاني المُدلل و الفاسد الأعظم "أحمد عز". تُنبئُ المُقدمات بمولود سفاح لن يعدو سوى أن يكون صورةً أكثر تشوهاً من برلمان 2010.

لم يشهد تاريخنا السياسي مؤخراً أي تقدم موضوعي للأمام مدفوعاً بما كان يتوجب علينا إستيعابه من دروس كل مرحلة حيث قُمنا "بحرق" بعض تلك المراحل و القفز عليها لما تصورناه مراحل أرقي، فلم نتعلم شيئاً و إنقطعت بنا صيرورة التاريخ إذ ظل الثالوث غير المُقدس قائماً و بَقِىَ التفاعل بين "قوي" و"علاقات" الإنتاج مُفتَقداً لتبدأ الإختلالات الإجتماعية الخاملة في إعادة التشكُل و التطور مُبَشِرةً بحراكٍ جديد.

التعليقات
press-day.png