رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

عبد العزيز الحسينى يكتب عن الحرب المنسية : نصر بلا فخر

‏مع ذكرى حرب أكتوبر أهدي هذا المقال لارواح شهداء الصراع العربى الصهيونى وابدأ كلماتى بالفخر ليس فقط بالانجاز العسكرى في حرب اكتوبر (الذى اضاعته السياسة) ولكن ايضا بالانجاز السياسى والعسكرى  لحرب الاستزاف  وايضا اتذكر دموع المشير الجمسى (وزير الدفاع بعد حرب اكتوبرواحد ابطالها ) حين جرت التنازلات وكيف اوجعه عدم تقدير التضحيات والدماء التى بذلت لاستعادة الارض حق قدرها حين جرى الاتفاق مع العدو الصهيونى.
لن اتحدث عن حرب اكتوبر فالكثير تحدث وسيتحدث عنها وهى تستحق  أضعاف ماقيل وكتب عنها ولكنى سأتحدث عن حرب اخرى لم تأخذ حقها من الذكر لاسباب سيرد ذكرها و لزاما على ان ابدأ بالفخر بها..

  ليفخر كل مصرى بحرب الاستنزاف التى قام بها ابطال شباب ورجال ضحوا بالجهد والعرق والدماء من اجل كرامة الوطن وكرامة المواطن وفى مقدمتهم  قائد اركان حرب الجيش المصرى  الشهيد عبدالمنعم  رياض هذه الحرب  التى لم تأخذ حقها فى التاريخ، والتى مر عليها الان نحو 47 عام، فمن ناحية العدو الإسرائيلى الذى هزم فيها لا يريد ذكرها أو تذكرها، ومن ناحية أخرى النظام المصرى الذى حكم فيما بعد و انقلب على ثورة يوليو لا يريد ذكرها أو تذكرها للتعمية على انجازات الحقبة الناصرية خاصة فى ظل معاهدة  "كامب ديفيد" وخياره الاستراتيجى  «السلام»  بل يستهدف تثبيت وهم  «العجز عن تكرار النصر العسكرى »  فى الضمير الجمعى  للشعب، حتى ان الرئيس المخلوع  كان يشير اثناء العدوان الامريكى على العراق الى أننا " ضربنا علقة"  فى 56  و"علقة"  67  و كأن النصر في معركة 73  كان  فلته يصعب تكرارها وأننا لا نستطيع  أن نحقق نصراً آخر.. إذن فلنجعلها آخر الحروب كما دعا السادات ،  ولأن قائد مصر كان اثناء حرب الاستنزاف هو جمال عبدالناصر ومعه القيادة السياسية والقيادة العسكرية  يدعمهم شعب مصر و تسانده امته العربيه.  شعب مصر الذى رفض الهزيمة  في 9 و10 يونيو وقرر ان يكمل المشوار "بالروح والدم" . كان أعداء الثورة فى الداخل والخارج و أعداء المقاومة أصدقاء أمريكا  و (إسرائيل)  يهدفون لطمس هذه الحرب التى تم خوضها تحت الشعار الجامع المانع  " ما اخذ بالقوة لن يسترد بغير القوة " وهم فى الحقيقة لا يظلمون دولة عبدالناصر بقدر مايظلمون مصر كلها لان بطل هذه الحرب كان هو الشعب المصرى بعسكرييه  ومدنييه  فقد تحول اقتصاد الوطن إلى اقتصاد حرب وتحمل الشعب مواطنون وقادة الأعباء والدماء وحمل بإيمان وثبات  شعار «يد تبنى ويد تحمل السلاح»  وتحقق فى هذه المرحلة العديد من المشروعات الكبرى فى ظروف شديدة الصعوبة مثل استكمال بناء السد العالى . ورغم اقتصاد الحرب والتقشف فإن الدولة  وفرت للأغلبية الاحتياجات الأساسية والخدمات الاجتماعية المجانية كالتعليم والصحة .. ألخ   التى لم يستطع ولم يسعى  نظام مبارك بعد أكثر من 30 سنة من " السلام " وكل من جاءوا بعده أن يوفروها بشكل حقيقى وفعال .

وإذا كانت مصر قد انتقلت وبسرعة من هزيمة عسكرية كبيرة ومروعة في 67 إلى القدرة على الدفاع والمواجهة  ثم الهجوم وخوض حرب استنزاف موجعة للكيان الصهيونى في اقل من سنتين ..حرب سماها قادة العدو وقتها أصعب الحروب فى تاريخ (إسرائيل)، فماذا نسمى هذا غير أن أنتصار وإذا كانت هذه الحرب هى القاعدة التى انطلق منها انتصار أكتوبر، فماذا نسمى هذا غير أنه انتصار وإذا كان بعض القادة العسكريين للعدو قد اعترفوا بأن محصلة هذه الحرب انتصار المصريين فماذا نسمى هذا؟!!

لم يكد  ينقضى  شهر يونيو 1967  حتى انتفض الجيش الجريح ليقدم ملحمة معركة رأس العش ثم كانت معارك القوات الجوية خلال يومي 14 و15 يوليو 1967  طلعات هجومية جريئة ضد  قوات العدو في سيناء  خرجت فيها القوات الجوية بكاملها و أحدثت فيها خسائر فادحة بل أدت إلي فرار بعض من الأفراد الإسرائيليين من مواقعها.  قامت القوات المصرية بإطلاق مدفعية عنيفة علي طول الجبهة وذلك بعد اشتباكات مع العدو في الجنوب في اتجاه السويس والفردان وقد كان ذلك تمهيدا لطلعة طيران قوية وهي تضرب في الجنوب فتحول العدو بقواته الي الجنوب وترك الشمال بغير غطاء فانطلق الطيران المصري الي الشمال وأوقع خسائر كبيرة في صفوف القوات (الإسرائيلية) ، وهو ما أدي الي زيادة الثقة لدى المقاتلين في قواتهم الجوية بعد هذه العملية الناجحة. و اضطر الحكومة الصهيونية  لطلب وقف اطلاق النار.

ظل العدو يعتمد على قواته الجوية مستغلا  تفوقه فيها ومناسبتها لظروفه واهدافة  وتكتيكه العسكرى فكان قرار القيادة المصرية في فبراير 1968  بإنشاء قوات الدفاع الجوي قوة مستقلة قائمة بذاتها لتهيئة افضل اعداد وامكانيات و استعداد و قدرة لقواتنا لمواجهة سلاح الجو (الاسرائيلى) ، لتصبح القوة الرابعة ضمن القوات المسلحة المصرية التي تشمل القوات البرية والبحرية والجوية وذلك.

البعض ممن يحملون الجنسية المصرية وبعضهم يقبضون على سلطة وثروة واعلام فى خضم اختيارهم البائس للاستسلام يسقطون انتصار مصر فى حرب الاستنزاف ليظل « نصرا بلا فخر »

استمرت الحرب قرابة ال 3 سنوات ونصف واسماها (الإسرائيليون) حرب الألف يوم. اما الاستنزاف فهو المصطلح  الذى أطلقه الرئيس جمال عبد الناصر عليها والذى يعبر عن هدفها وحقيقتها .

وضعت القيادة السياسية في ذلك الوقت جملة من الأهداف لتجاوز النكسة تتمثل في:
1- إعادة بناء القوات المسلحة.
2- إعادة الثقة للجنود والضباط  في أنفسهم وفي قادتهم و تحطيم صورة المقاتل الاسرائيلي السوبر.
3- إعادة الضبط والربط, إعادة تدريب القوات.
4- تنظيم الوحدات.

لإعادة بناء الجيش ليدخل معركة العرض والارض كان هناك ضرورة لتدريب قاس وكانت قمته معارك حرب الاستنزاف وكانت  اقوى تدريب بالدم  يمكن ان يجريه جيش. 
 ولإعادة  بناء الجيش كان هناك ضرورة للتوسع في الاستعانة  بشباب مصر من الحاصلين على التعليم العالى والمتوسط الذين كان لهم ابعد الاثر فى رفع الكفائة العلمية  والفنية .
وخلال معارك الاستنزاف ولدت الفكرة العبقرية "مدفع المياه" لازالة السد الترابى  الذى كان الاساس في  "خط  بارليف" الحائل الاساسى الذى وضعه العدو لحماية نفسه ومنع العبور للضفة الشرقية للقناة "مدفع المياه" الذى تم تنفيذه  في الحال في سرية تامة والتدريب عليه وكان احد مفاتيح  النصر في حرب اكتوبر.

الاعمال البطولية التى تمت  في حرب الاستنزاف في البر والبحر والجو كثيرة  نذكر منها:

·        فى البحر قامت البحرية المصرية  بإغراق نصف أسطول الغواصات (الإسرائيلي) ثم إغراق ربع كامل أسطول العدو.

عملية إيلات  تم فيها  الهجوم على ميناء أم الرشراش الذي أسمته إسرائيل إيلات بعد احتلاله عام 1949  تم تلغيم الميناء و تدمير رصيفه الحربي وقتل عدد من العسكريين وإغراق بارجة إسرائيلية وذلك من قبل رجال الضفادع البشرية المصريين بالتعاون مع القوات الأردنية والعراقية ومنظمة التحرير الفلسطينية. لم يكن الهجوم على الميناء لمرة واحدة بل تكرر عدة مرات .
عملية قصف مواقع العدو في سيناء فى منطقتي «بالوظة ورمانة» من البحر بدأ القصف من المدفعية من مدينة  بورسعيد للتمويه على العدو بان الضرب من الارض حتى وصلت قطع الاسطول المصرى سرا الى الموقع البحرى المناسب للقصف وتم تدمير تجمعات  العدو الإدارية و مواقع صواريخه وكانت السّرية والخداع هما العاملان الرئيسيان لنجاح العملية.
ولم تكتفى قواتنا واجهزتنا المختصة  بالقيام بالعلميات  في سيناء وفلسطين المحتلة  بل وصل الامر الى عمليات خارج حدود الوطن العربى  مثل عملية  تفجير الحفار (إسرائيلي) الشهيرة  في المحيط الاطلسي.

·        وعلى البر كانت معارك المدفعية  الرهيبة حين كانت الاف المدافع المصرية  تصب النار والموت والدمار على طول خط القناة في نفس الوقت لتكبد العدو خسائر فادحة اما  رصاص القناصة فكان يمثل  رعب  لعناصر العدو التى كان يسقط منهم اعدادا كبيرة  وكانت القوات الخاصة تعبر وتقوم بعمليات  فدائية وعمليات استطلاع  اما على خط المواجهة  او خلف خطوط العدو بمعاونة  اهالى سيناء ولم تكتفى بقتل جنود العدو وضباطه وتدمير مواقعهم  بل وصلت الى اخذ اسرى من العدو والعوده بهم الى الضفة الغربية للقناة  مما اصاب جيش الاحتلال الإسرائيلي بالويل والأهوال وسببت لجنوده هبوط في الروح المعنوية وحالة من الارتباك و الهيستيريا .

 

·        وفى الجو مع تصاعد حرب الاستنزاف التى اوجعت العدو  رد بالعديد من الهجمات الجوية خلال الفترة من ينايرحتي إبريل عام‏  1970  وبلغ إجمالي طلعات الطيران ‏3838‏ طلعة جوية  وخلال هذا التصعيد ارتكبت مقاتلات الكيان الصهيونى  جريمتين بشعتين وهما الغارة الجوية على مصنع أبو زعبل والأخري على مدرسة بحر البقر في 8 إبريل  1970  الأولى تسببت بمقتل 70 عاملا وإصابة 69  والأخرى تسببت بمقتل 31 طفلا وجرح 36 آخرين .
بعدها  سافر الرئيس عبدالناصر إلى موسكو فى زيارة سرية لامداد مصر بنظام دفاع جوى متكامل .

واصبحت  شبكة الدفاع الجوى لمصر تشمل: 
أجهزة رادار متطورة للانذار المبكر وتتبع الطيران المعادى .
مقاتلات اعتراضية للاشتباك والمطاردة خارج الحدود (ميج 21).
شبكة متطورة من الصواريخ أرض جو للدفاع الثابت.

ويحسب المراقبين  العسكريين تحول الصراع العربي‏ الإسرائيلي  في ذلك الوقت إلي صراع بين القوات الجوية الإسرائيلية  وقوات الدفاع الجوي المصرية.

وبالصواريخ المتطورة تم بناء حائط الصواريخ على الجبهة  وهو الذى حمى مصر وجيشها  قبل حرب اكتوبر وأسقط واصاب عشرات الطائرات الاسرائيلية المتطورة عام 1970  وحمى جيشها  في حرب اكتوبر بمظلة جوية من طيران العدوالذى تم ضربه وتحيده اثناء العبور وخلال تحرير الضفة الشرقية من القناة والسيطرة عليها .

"عزرا وايزمان" الذى كان قائدا لسلاح الجو الاسرائيلى ثم  مستشارا لرئيس أركان الجيش الإسرائيلى في حرب أكتوبر وتولى رئاسة إسرائيل 1993 - 2000 اعترف  بأن حرب الاستنزاف انتهت دون أن تجد إسرائيل حلا لمشكلة  صواريخ الدفاع الجوي‏  قائلا :" لقد فشلنا في تدمير شبكة الصواريخ وإنني مقتنع أنها المرة الأولي التي لم ننتصر فيها" ‏.

صدق الرئيس عبد الناصر قبيل وفاته علي خطة جرانيت للعبورو ترك مصر وقد بنت  جيشها واصبح بامكانات وقدرات افضل من اى وقت مضى تركها علي مشارف نصر مأمول لم يكن علي حساب الوضع الاقتصادي أو العدالة الاجتماعية أو الكرامة الوطنية  أو التخلي عن الالتزام بعودة الأراضي العربية المحتلة.

في ذكرى حرب اكتوبر ليفخر كل مصرى وكل عربى  بانتصاره ليس فقط في حرب اكتوبر بل في حرب الاستعداد والتحضيرلها أيضا..حرب الاستنزاف  المجيدة وسلام على ارواح كل الشهداء الذين كتبوا بدمائهم الحياة لهذا الوطن  .

التعليقات
press-day.png