رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : دروسٌ من "كافكا" و "لينين"

"إذا كان المرء في أمريكا يستطيع أن يسرق حقيبة، فإنه يستطيع أيضاً أن يكذب بين الفينة و الأخري. قد لا يكون الموضوعُ موضوعُ عدالة، لكنه في الوقت نفسه موضوع نظام. و كلٌ منهما، و لا سيما الأخير، يخضع هنا لحكم السيد القبطان"..هكذا تحدث عبقريُ الكتابة الكابوسية "فرانتز كافكا" في الفصل الأول من روايته "المفقود" واصفاً تفاصيلَ بالغة الدقة لعجزِ "الوقاد" و جَزعِهِ من فقدان وظيفته التي هي المصدر الوحيد لكسب المال في هذا المجتمع. لم يكن "كافكا" يصف معاناة "الوقاد" إزاء وظيفته كمسألة قَدَريةٍ ذاتيةٍ تخصه وحده، لكنه كان يصف ذلك العجز و الجزع اللذان يُلازمان الإنسان كجزءٍ لا يتجزأ من هيكل المجتمع و كناتج أساسي عن تركيبته البنيوية القائمة علي إستعباد البشر في عالمٍ ليس الإنسان فيه هو سيد عمله بل هو عبدٌ له ،فما إن فقده، إنتفى سند بقاءه علي قيد الحياة. كان "كافكا" يُلخِص تلك المعاناة بإستعراض ظواهرها التي تبدت له واضحةً جليةً في حركة الملاحة الدائبة الرتيبة بميناء نيويورك في 1913..تلك الحركة التي جسدت المجتمع الصناعي القائم علي نظام اقتصادي بُنِيَ علي استعباد البشر و فوضي الأسواق المُنفلتة بلا رقابة.

لم يكن "كافكا" -إذن-  يُنَظرُ لمجتمع جديد، لكنه كان يرسم ملامح مُجتمعٍ تمظهرت في بؤسِ و ضياعِ واغتراب إنسان ذلك العصر، ليأتي بعد ذلك بأعوام قليلة، عبقريٌ آخر إسمه "فلاديمير إيلييتش أوليانوف" ليكتب في سبتمبر 1917: "جربوا أن تضعوا مكان الدولة الرأسمالية اليونكرية (إقطاعيي "بروسيا")، مكان الدولة الرأسمالية الإقطاعية، دولة ديمقراطية ثورية، أي دولة تهدم بطريقة ثورية جميع الإمتيازات أياً كانت، دولة لا تخشي من تطبيق أكمل الديمقراطية بطريقة ثورية؟ تروا أن راسمالية الدولة الإحتكارية، في ظل دولة ديمقراطية ثورية فعلاً،  تعني حتماً و بلا مناص خطوة و خطوات نحو الإشتراكية لأن الإشتراكية ليست سوي خطوة إلي الأمام من إحتكار رأسمالية الدولة" (من كراس "الكارثة المُحدقة و كيف نحاربها" لفلاديمير إيلييتش أوليانوف الشهير ب..."لينين"). كانت "روسيا" آنذاك دولة خارج حدود التاريخ..دولة تقوم علي النمط الزراعي الإقطاعي المُتخلف و ينتشر بها الفقر و الجهل و المرض و البطالة..نموذج نمطي لدولةٍ فاشلةٍ و لنظامٍ بائسٍ تعسٍ يشبه ما كان قائماً لدينا عشية 25 يناير 2011 و الذي يعود لممارسة حياةٍ (كان الأولي أن يغادرها بلا رجعة) بعد حالة كُمُون مؤقتة و بسرعة لم تخطر علي بال أكثر ثوريي مصر تشاؤماً.

بغض النظر عن أسباب تَضعضُع الإشتراكية الروسية التي سأفرد لها سلسلة مقالات منفصلة لاحقاً، فقد وضع "لينين" و الذين معه في ذلك الوقت أساس الإنتاج الكبير و الإقتصاد الإجتماعي، فانتقلوا بالفلاحين و العمال إلي مستويات أرقي حين أدركوا أهمية الطاقة و حتمية أن تحتكرها الدولة لأجل المساهمة في التنمية الحقيقية إستغلالاً لثروات بلادهم الهائلة و قدرتها البشرية بعيداً عن أسري الأيديولوجية البورجوازية الصغيرة لتبدأ بعدها مرحلة كهربة الريف و النهوض بالصناعة و ترميم الإقتصاد الوطني.

لا تُبنى الدول الكبري علي اقتصاد الريع و الاستهلاك، فاقتصار نمط الاقتصاد علي هاتين الدعامتين يُحولُهُ تدريجياً الي صورة بدائية من الرأسماليةِ الخدماتية مثل التجارة العامة الاستهلاكية التي تُدمر المُدخرات، والخصخصة لشركات ومصانع القطاع العام، و السياحة، و المضاربة في الاسهم و العقارات....ألخ و كلها أنشطة لا تطرح أي قيمة مضافة بالمجتمع بل تنتقص مما تراكم لديه عبر الزمن و تؤدي إلي إضطراب جهازِ قِيمِ أفراده لإرتباط طبيعتها بدوافع الفساد الكامنة. لا تُبني الدول إلا من خلال إنشاء منظومة تصنيع جادة تحتكرها الدولة تقوم علي إستغلالٍ مثاليٍ لمصادر الطاقة التقليدية من كهرباء و غاز و نفط، و غير التقليدية من طاقة شمسية و طاقة رياح، مع تطوير الزراعة و التعليم، و فتح باب الحريات العامة و الخاصة علي مصراعيه و بلا قيود تُكبل إنطلاق المجتمع في إطار فكري ثقافي ديمقراطي لا ماضوي يرتكز علي عمل الإنسان الذي لا يينبغي تسليعُهُ (إعتباره سلعةً تباعُ و تُشتري لمن يدفع أكثر) فلا يصير الإنسان عبد عمله بل صاحب الكلمة الفصل.

ليس شرطاً أن تكون إشتراكياً حتي تستوعب درس "لينين" و ليس شرطاً أن تكون سوداوياً حتي تُدرك مقصد "كافكا"، ليس مطلوب منك إلا أن تكون -فقط- إنساناً ذو عقلٍ و قلبٍ و بصيرة.

 

التعليقات
press-day.png