رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

خالد البلشي يكتب: أوقفوا تعذيب الرئيس

"أحد الإعلاميين بيقول إن الرئيس قاعد مع شركة سيمنز، وسايب إسكندرية بتغرق، مايصحش كدة إحنا بنتجاوز كل حاجة، الأمر دة لا يليق، مايصحش كدة، انتو بتعذبوني أن أنا جيت وقفت هنا.. الواحد بيحس إن الناس لا هي عارفة ولا فاهمة أي حاجة في الدنيا، بس قدامي ميكروفون بتكلم فيه أو جرنال بكتب فيه، لا يا جماعة دي دولة هتضيع مننا كدة، بالطريقة دي إحنا بننشر جهل وعدم وعي حقيقي بين الناس، وكأن المسائل بتتحل لما بتدوس على زرار تخلص"

هكذا جاءت كلمات الرئيس ردا على أحد الإعلاميين الذين يلهجون دائما بحبه والثناء عليه، لمجرد أنه وجه له عبارات عابرة اعتبرها الرئيس تجاوزا ونقدا لا يليق.. الرئيس اعتبر كلمات الإعلامي الذي لم يذكر اسمه - لكن السوشيال ميديا والمواقع الإخبارية  تولت تعريف الناس به - تعذيبا له، قائلا " انتوا بتعذبوني أن أنا جيت وقفت هنا – قاصدا أنه يتم تعذيبه لأنه صار رئيسا - في إشارة لا يمل السيسي من تكرارها حول أن اختياره جاء كاستدعاء من الشعب، لأداء مهمة لا من خلال انتخابات اختار أن يخوضها، ومنة يحسبها - لو صحت - يجب أن تغلق باب النقد ضده  حتى لو غرقت الإسكندرية، وخرج من يطالبه بتولي مسئوليات المنصب، أو لو امتد طابور المحبوسين والمعتقلين والمحتجزين للآلاف، واعترف هو بنفسه بظلمه لهم، أو حتى لو أصبح الوطن بأكمله مهددا بالغرق بفعل سياسات حكمه، وانحيازاته وانحيازات سياسات نظامه.

إحساس الرئيس بما اعتبره ظلم وتعذيب له بسبب كلمة عابرة وصل إلى حد القمصة وتهديد الإعلاميين بأنه سيشكوهم في المرة القادمة للشعب.. دون أن يتوقف الرئيس أمام ما يتعرض له هذا الشعب من تعذيب حقيقي على يد رجال حكمه، وقتل عشوائي وصل إلى حد خروج بيانات الأجهزة الأمنية التابعة له، للاعتراف بتصفية معارضين له، فضلا عن تفشي الفساد والإفقار المتواصل لقطاعات عريضة من عموم الشعب.

 

هكذا أشتكى الرئيس مما يتعرض له من تعذيب بسبب كلمة عابرة، رأى أنها جاءت على غير الحقيقة، ووصل الأمر إلى خروج اعلاميين من المحيطين به لـ إعلان تضامنهم مع ما تعرض له من ألم نفسي .. بل ووصل الأمر بالرئيس لاتهام الاعلام بنشر الجهل، لمجرد انه تجرأ بتوجيه نقد ناعم له..

أدرك الرئيس معنى التعذيب بسبب كلمة لم يتمكن صاحبها من توجيه اللوم المباشر له فوجه سهامه للمحيطين بالرئيس الذين تركوه وحيدا يلتقي بشركة سيمنز، ويواجه غرق الاسكندرية، - على حد قول الاعلامي المذكور - ولكن الرئيس لم يشعر بالألم والعذاب أمام هجوم  إعلامي نظامه على معارضيه، ونشر تسجيلات لمكالمتهم الشخصية تم تسريبها من أجهزة أمنه، ولا أمام خوضهم في الحياة الشخصية للمواطنين وسبهم وقذفهم لسياسيين ومواطنيين عاديين وبدلا من محاسبتهم هبت اركان نظامه لحمايتهم حتى من أحكام قضائية صدرت بحق بعضهم.

توقف الرئيس أمام كلمة لم تتجاوز حدود العتاب للمحيطين بالرئيس وليس للرئيس نفسه، رغم أن من أطلقها إعلامي- مقرب منه - ولم يتوقف أمام تقارير نقابة الصحفيين حول حبس أكثر من 32 زميلا لهذا الإعلامي على الأقل، في اتهامات متنوعة.. اكثر من 20 منهم بسبب ممارستهم لمهنتهم، كما لم يتوقف أمام شكاوى موثقة عن منع الدواء والرعاية الصحية عن أكثر من 5 صحفيين، داخل سجونه وتعريض حياتهم للخطر فضلا عن منع الزيارة عنهم لفترات طويلة، يضاف إلى ذلك ما يتعرضون له من انتهاكات يومية داخل أماكن احتجازهم، رغم أن هذه الوقائع جميعها موثقة في شكاوى رسمية بل وفي طلبات تم رفعها للرئاسة..

 لم يتوقف الرئيس أمام اجتهاد أجهزة حكمه في تلفيق التهم لأكثر من نصف هؤلاء الصحفيين، بينما أوجعته كلمة عابرة اعتبرها تعذيبا ونشرا للجهل.. فمتى توجع الرئيس أنات المظلومين بالسجون، الذين اعترف بوجودهم ظلما داخل سجونه ثم تركهم داخلها يتألمون ويعذبون في انتظار وعد تأجل أكثر من مرة للافراج عنهم.. رغم ان بعضهم كشوكان تجاوز المدة القانونية للحبس الاحتياطي ولا يزال سجينا .

شعر الرئيس بالتعذيب من كلمة عابرة، ولم توجعه أنات أسر المختفين قسريا لدى نظامه والذين وصل عددهم طبقا للمجلس القومي لحقوق الانسان إلى العشرات بينما قدرته منظمات حقوقية بالمئات، 163 منهم اختفوا خلال الستة شهور الأخيرة فقط. وهؤلاء المختفون بينهم أطفال، وبعضهم امتد اختفائه لما يقرب من عامين، مما أضطر زوجة أحدهم هي مها مكاوي زوجة المحامي أشرف شحاتة عضو حزب الدستور لإعلان الاضراب عن الطعام حتى الموت بعد ان امتد اختفاء زوجها لأكثر من 22 شهرا، دون تحرك من الرئيس ولا من أجهزة حكمه.

معاناة الرئيس من التعذيب بسبب اتهامه إنه ساب الاسكندرية تغرق – وهو أمر لو تعلمون دقيق - دفعه لتهديد الإعلاميين بأنه سيشكوهم المرة القادمة للشعب، بينما لم يتوقف أمام طابور المواطنين الذين يتعرضون للتعذيب داخل سجون وأماكن احتجاز نظامه، والذين وصل عددهم للمئات طبقا لتقارير  حقوقية بينهم أكثر من 139 لقوا حتفهم خلال العام الأول من حكمه فقط .

 

أوجعت الرئيس كلمة نقد عابر قيلت بعد كارثة طالت العاصمة الثانية واغرقتها وتسببت في مقتل 8 مواطنين على الأقل بسبب البنية المتهالكة رغم الاعلان عن إنفاق 20 مليار جنيه عليها في عهده وحده، لكنه لم يتوقف أمام تصويت نظامه لاسرائيل وزيادة نسبة الفقر بين المواطنين واحتلال مصر المرتبة قبل الأخيرة في جودة وتنافسية التعليم وموت المواطنين أمام المستشفيات، بخلاف زيادات الاسعار المتواليه وسياسات نظامه المنحازة للاغنياء على حساب الفقراء.

شعر الرئيس بالتعذيب لأن اعلاميا من القريبين منه ذكره بأن الاسكندرية تغرق رغم أن الإحصائيات الرسمية خرجت لتؤكد أن الوطن بكامله بأهله وناسه مهدد بالغرق في أزمة اقتصادية طاحنة، بعد ان تجاوزت الديون المحلية أكثر من 2.116 تريليون جنيه بنهاية يونيو الماضي، بينها 48.1 مليار دولار ديون خارجية، بينما تراجع الاحتياطي النقدي واقترب من حدود الخطر بشهادة الاقتصاديين وتراجعت قيمة الجنيه ليتجاوز سعر الدولار الثمانية جنيهات في السوق الرسمية خلال الشهر الماضي.

 كل هذا والرئيس تعذبه كلمة إعلامي، لم يطق على قمصة الرئيس صبرا فخرج يشكره على كلماته في حقه على طريقة "ضرب الحبيب زي أكل الزبيب" و"عين الرضا عن كل عيب كليلة" فما بالكم إذا كان الحبيب رئيسا يعذب نظامه المئات، ويعتقل عشرات الصحفيين في سجونه، وتقصف قوات أمنه السياح والمواطنين في الصحراء بالطائرات وتقتلهم دون أن تتوقف وتقدم الاعتذار .

حتى لا نتهم بنشر الجهل هذه هي بعض الحقائق يا سيادة الرئيس، عسى أن توجعك، مثلما أوجعتك كلمة قيلت، ولم يطق صاحبها على غضبك صبرا. أما بقية الحقائق، فلن تظهر إلا بوضع تصريح السيسي في إطاره العام كجزء من محاولات السيطرة على الإعلام وصنع أسقف جديدة له، ضمن خطة محكمة للنظام لإغلاق المجال العام وتقليص مساحات الحرية التي تم اكتسابها خلال السنوات التالية للثورة.. واستعادة النظام لهيمنته على كافة مناحي الحياة، دون رقيب من رأي عام أو حسيب يحاول إعادة الأمور لنصابها والتصدي لمحاولاته صنع ديكتاتورية جديدة . والتي أفصح عنها  الرئيس منذ  أول حوراته مع الاعلام خلال ترشحه للرئاسة معلنا للجميع عبر كلمات واضحة لا لبث فيها انه الديكتاتور القادم .

كلمات الرئيس وغضبه جاءت لتكمل دائرة الصمت التي يفرضها النظام حول مناطق بعينها وفي مقدمتها الحديث عن الرئيس نفسه، ولو بمنطق عتاب المحبين، وكذلك  فرض تعتيم عام حول ممارسات بعض أجهزة الدولة وهو ما ظهر واضحا في العديد من القوانين والقرارات الأخيرة، كان آخرها قانون مكافحة الإرهاب والذي جاء ليصادر مهنة الصحافة نفسها، ويمنع المساس تماما بالمؤسسة العسكرية ولو على سبيل كشف الحقائق للراي العام، كما ظهرت محاولات النظام لفرض اسقف جديدة في التعامل مع الإعلام واضحة أيضا في قرارات وقف طباعة 6 جرائد بقرارات لجهات رقابية عادت من جديد لتسكن مطابع الصحف، لمجرد نشر موضوعات اقتربت من الرئيس أو لامست المساحات التي يريد النظام حظرها، بعد أن تجاوز الحظر شخصية الرئيس ليصل إلى المقربين منه، فضلا عن امتداده للعديد من مؤسسات الدولة. بل ووصل الأمر لإحالة عدد من رؤساء التحرير لنيابات أمن الدولة العليا لمجرد نشر أخبار عن الرئيس أو بعض من مؤسسات الدولة.. وهي ممارسات ترسم ملامح سلطة استبدادية ونظام فاشي لا يقبل النقد، ويحرص على اسكات أي صوت يخرج عن الحدود المرسومة للجميع للسير بداخلها وإلا فإن الرئيس سيشكونا جميعا للشعب، وهو تهديد لو تعلمون عظيم  ( ولا تنسوا المواطنين الشرفاء والتابعين وتابعي التابعين في الاجهزة الامنية).

 ولأننا كإعلاميين لا نقدر على غضب الرئيس، فإنني من هذا المكان أدعو سيادته إلى مبادرة، يتعهد خلالها خالد أبو بكر ورفاقه بالتوقف عن تعذيب الرئيس بكلامهم لمدة يوم، مقابل أن يوقف الرئيس سياسات التعذيب والقتل والإفقار التي يمارسها نظامه بحق ملايين المصريين ليوم آخر.. وإذا أخل أحد الطرفين باتفاقه يصدر الرئيس قراره بوقف برامج أحمد موسى ووائل الأبراشي وعبد الرحيم علي وريهام سعيد .. ولا بلاش حتى لا تعذبنا نحن بالدفاع عنهم. 

التعليقات
press-day.png