رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : "المُرَحِبون" و جيفارا الإفريقي

التحفظ علي “حسام بهجت”..يُرحب بعضهم، فالرجل خطر علي الأمن القومي للبلاد.. إطلاق “ حسام بهجت" بعد ساعات..يُرحب نفس “البعض” قائلين أنه تسامُحٍ الرئيس في التعامل مع حرية الصحافة..القبض علي “صلاح دياب”..يُرحب ذات "البعض” بالعدالة العمياء إذ لا أحد فوق القانون..إطلاق “ صلاح دياب” بعد ساعات.. يُرحب نفس “ البعض” قائلين أنها حكمةُ الرئيس في التعامل مع رجال الأعمال. تخفيض قيمة الجنيه المصري أمام العملة الأمريكية..يُرحب ذات "البعض” قائلين بإن الأمر حتمي و إنه إنعكاس حقيقي لإحتياجاتنا الإستيرادية مع شُحِ العملة الخضراء بسبب تردي أوضاع السياحة..إرتفاع قيمة الجنيه المصري أمام العملة “إياها" بنهاية الأسبوع بمقدار عشرين قرشاً دفعة واحدة..يُرحب نفس “البعض” قائلين أنها عبقريةُ الرئيس الإقتصادية في السياسات و الأدوات النقدية.

لم يسأل “البعض” -من المُرَحِبين دائماً- أنفسهم لماذا لا يتسامح الرئيس مع آلاف المصريين المُتَحَفَظ عليهم قيد الإعتقال و هل للرئيس بإعتباره علي قمة الجهاز التنفيذي للدولة أن يتسامح فيما يخص تحقيقات تجريها جهات قانونية عسكريةٍ كانت أم مدنيةٍ..لم يسأل “البعض” -من المُرَحِبين دائماً- أنفسهم عن المغزي الحقيقي من تصوير “صلاح دياب” في القيود ثم إطلاقه بكفالة ربما تَقِلُ في قدرها عن راتب أحد موظفيه..لم يسأل “البعض” -من المُرَحِبين دائماً- أنفسهم من أين أتي “البنك المركزي” بالمليار دولار التي بما طرحها بالأسواق.

في أثناء هذا الأسبوع “الهيستيري” من ترحيب “البعض” بالشيئ و ضده، والقفز الذي لم يَعُد يثير دهشةَ أحدٍ بين الموقف ونقيضه، أهداني عمنا كبير المقام الأفريقاني “حلمي شعراوي” كتاباً من مائتي صفحة من الحجم المتوسط إلتهمته كاملاً -في شغفٍ كدت أن أفقده و إنبهارٍ طفوليٍ حَمدتُ الله علي إكتشاف أنني مازلت قادراً علي ممارسته- في ليلةٍ واحدة.. إنه “جيفارا الإفريقي”- دراسة في الفكرِ السياسي "لتوماس سانكارا” للباحث المُبدع دكتور “حمدي عبد الرحمن".. مُقدمة ثرية جبارة للعم “شعراوي”، ثم سباحة فكرية رائعة في هوية الفكر السياسي الإفريقي بين الوعي بالذات و الحداثة و التحرر الوطني بدءاً من سنجور ونكروما وسيكوتوري ونيريري وناصر إلي جيفارا الإفريقي “توماس سانكارا”.. يأخذك الكتاب إلي قلب تراثِ الممارسة السياسية بمجتمعِ “ فولتا العليا” التي غَيَّرَ “سانكارا" إسمها في أغسطس ١٩٨٤ إلي "بوركينا فاسو” و هي تعني باللغة المحلية “ أرض الأكرمين” (يا له من إسم)..عوالم سحرية و جوانب خافية علي جيلنا و ما بعد جيلنا.. مفهوم “الزنوجة”.. الجمهورية القائمة علي الملكية العامة لوسائل الإنتاج في المجتمعات الإفريقية..

نماذج "سينكارا" المُلهِمة للمحاكم الشعبية، والتنمية المستقلة و الإعتماد علي الذات و رفض الحصول علي المزيد من القروض الدولية و الإمتناع عن سداد القائم منها، و الحلول غير التقليدية للمشكلة الإقتصادية و التصنيع و تطوير الزراعة، و محاربة الفساد، و رفض حتمية الفقر، و إعادة توزيع الثروة، و حماية البيئة، و تمكين المرأة، و دعم حركات التحرر في العالم. وقفتُ مبهوراً أمام كلمةِ “سانكارا” -التي أوردها مُبدعُ الدراسة كاملةً غير مُجتَزأةٍ- في الدورة الخامسة و العشرين لقمة منظمة الوحدة الإفريقية بأديس أبابا في ٢٧ يوليو ١٩٨٧ و التي نَادَىَ فيها “سانكارا” بتكوين نادي “أديس أبابا” علي غرار نادي “باريس” و نادي “روما ، مجموعة “الخمسة”/“السبعة”/العشرة” لتكون "أديس أبابا” مركزاً تنبعث منه روحٌ جديدة..”دعونا نجعل من أديس أبابا جبهةً موحدةً ضد الديون. دعونا نجعل من أديس أبابا إلتزام بالحد من التسلح بين الدول الضعيفة و الفقيرة. الهراوات و السكاكين التي نشتريها هي عديمة الفائدة. دعونا أيضاً نجعل من السوق الإفريقية سوقاً للأفارقة: ننتج في إفريقيا، نحول في إفريقيا، و نستهلك في إفريقيا. لننتج ما نحتاج إليه و نستهلك ما ننتجه بدلاً من إستيراده من الخارج. لقد جائت بوركينا فاسو إلي هنا لتظهر أن الأقمشة القطنية التي التي أُنتجت في بوركينا فاسو و تم غزلها في بوركينا فاسو و تمت حياكتها في بوركينا فاسو من أجل كسوة سكان بوركينا فاسو” ليختتم بعبارته النارية: “لا يمكن سداد الدين. إذا لم نقم بالسداد فإن المُقرضين لن يموتون. تأكد من ذلك جيداً، بيد أننا إن قمنا بالسداد فإننا نحن الهالكون، تأكد من ذلك أيضاً.

أود أن يتبني المؤتمر بشكل حاسمٍ و صريحٍ القول بعدم دفع الديون، إنها روح ليست مولعة بالحرب و لمن لتجنب أن نُغتالَ فرادى. إذا وقفت بوركينا فاسو وحيدة ترفض دفع الديون، فإنني لن أكون هنا في المؤتمر القادم”..هكذا تكلم “سانكارا- جيفارا إفريقيا” الذي لم يحضر المؤتمر التالي إذ إغتيلَ بعد تلك الجلسة بثلاثة أشهرٍ بالتمام و الكمال. لم يكن “جيفارا الإفريقي” مجرد كتابٍ عن بلادٍ لا نعرفها و لم يكن روايةً عن طوباويٍ مُنفصلٍ عن واقع محليٍ و إقليميٍ و دوليٍ مؤلمٍ و قاسٍ بل كان درساً بليغاً في كيفية تحويلِ الحُلم إلي حقيقةٍ، فالثورة البوركينابية كانت حُلماً أنجحه “سانكاراو كان علينا أن ندرسه بفهمٍ واعٍ حتي لا ينتهي بنا الأمر إلي ما نَمُرُ به الآن من حالة “هيستيريا” الترحيب العُظمى وسط “مورستانٍ” الحاضر الأليم.

التعليقات
press-day.png