رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : ميثاقٌ إنسانيٌ جديد أو الكارثة

هواءٌ مُثقلٌ برائحةِ بارودٍ مُرعِبةٍ و دمٌ يُراق علي مذبحٍ بغيض..عناقيدُ غضبٍ تُصَب علي الرؤوس.. شواهدُ قبور ودمٌ في كل مكان.. مجتمعاتٌ في الأطراف ذات ماضٍ مُتَحضرٍ و حاضرٍ ماضوي تضطربُ بعنفٍ لتضرب بقسوةٍ في قلب مجتمعات المركز..مجتمعات في المركز ذات ماضٍ عنصري حاد و حاضر لا يقل عنه حدةً في عنصريته لكن بوسائل مختلفة تُهدِر، دون تمييزٍ، أبسط القيمِ في شبقٍ للدمِ لا مثيل له..طائفية و طائفية مضادة.. عنصرية وعنصرية مضادة تكاد الإنسانية أن تفقد مسوغاتِ وجودها في عالمٍ يقف بأطرافِ أصابعه علي حافةِ الجنون.

ما تاريخُ البشر سوى حلقاتٌ متشابكة من المراحل تترابط في تتابعٍ منطقي، و لا يمكن لأي مُتأمل مهما بلغت عبقريته أن يقوم بالنظرِ في واقعِ مرحلةٍ ما دون أن يدرس نهايات المرحلة السابقة عليها فهي المقدمة الموضوعية و المؤشر لما هو آت. في هذا السياق، ما الذي حدث إذن فأوصلنا إلي ما نحن فيه الآن؟ ما الذي حدث بعدما وضعت الحرب الكونية الثانية أوزارها و تخلصت الإنسانية من توتاليتاريةِ النازية و الفاشية اللتين حملتا أسباب الإنهيار كامنة في البناء كما أسباب التفوق، (“الجميع داخل الدولة و لا أحد خارج الدولة و لا أحد ضد الدولة” عن “موسوليني” حسب أفكار “جيوفاني جينتيلي” الذي كان يري أن التوتاليتارية هي مرادف لدولة أكثر تقدماً و نقاءاً و أخلاقيةً من الحكم الليبرالي الضعيف بينما كان يري بعض مفكري الليبرالية مصوبين في هذا سهام نقدهم لنموذج “ستالين” بإضافته لنموذجي “هتلر” و “موسوليني”، أن التوتاليتارية هي مرادف حكم الفرد و الديكتاتورية المدمرة). أهمل مروجي التوتاليتارية من الفاشيين و النازيين و معارضيها من الليبراليين ،بتركيزهم البحثي عليها فقط، بحث ظاهرة إزدهار الليبرالية في مرحلة ما بعد الحرب من منظور نتائجها التي تتشابه كثيراً جداً مع نتائج التوتاليتارية وتأثيراتها علي المجتمعات الإنسانية بأكملها حيث لم يتعمق في تلك المسألة سوي بعض المنصفين من العلماء غير الماركسيين بالعالم الغربي وكل العلماء الماركسيين في العالم المُخالف، أي أن حالة عامة من “النقد الذاتي” الجاد لم تجد للنور طريقاً لأجل دراسة عورات الليبرالية بشكلٍ علميٍ متعمق.

لما إنهارت التجربة السوفييتية في تسعينات القرن الماضي بفعل عوامل ليس هذا مجال مناقشتها، إنفردت الليبرالية بالعالم لتتطور شيئاً فشيئاً مُتَحولةً إلي النيوليبرالية التي كانت ملامح تكونها قد تبدت بنهايات السبعينات لكنها إنفَجَرَت فَفَجَرَت بعد الإنهيار السوفيتي، وكان “تسليع” كل شيئ ثم الإنسحاب الكامل/شِبه الكامل للحكومات بما أدي إلي الفوضي التامة بالإسواق التي أسموها، زوراً و بهتاناً، ب”حرية” الأسواق، لتنتقل تلك الفوضي عبر المحيطات مُحَمَلَة بمفاهيم مُزينة بشعارات براقة كالعولمة و تحرير التجارة و مدعومة بإتفاقياتِ سطوٍ مُنظمٍ كإتفاقية “الجات” و مثيلاتها، فتُغذي الفتن لبيع السلاح المُكدس لدي أباطرتها والذي صار “سلعة” تستوي في الإقبال عليها مع “القمح” و“الشِعر” (كلها “سلع” للبيع و الشراء بلا أصول أخلاقية.. تلك هي أبجديات آلياتِ العرض و الطلب)، ولتتمكن من مزيد من النهب لمجتمعات الأطراف من خلال تجهيلها وإفقارها بعونِ فاسدين محليين تابعين صنعتهم علي عينها ليقوموا بترسيخ نماذج رثة للغاية من الليبرالية البدائية فلم تستفد مجتمعاتهم حتي من المنتجات الثقافية لليبراليةِ دول المركز، لكنها إستخدمت أسلحة الليبرالية المتحولة في تدمير ذواتها لتنطلق بعد ذلك في الإتجاه الآخر مدفوعة بفكر ماضوي ظلامي ، تسببت فيه عُقودٌ من التجهيل والإفساد، باحثة عن مجتمعاتٍ جديدة تمارس فيها الدمار و القتل.

الأزمة إذن ليست أُحادية الجانب، فالجميع مشاركون في الإثم و مشتركون في الجرم المشهود.

إنسان العالم الآن بحاجة إلي ميثاقٍ جديد تصنعه مؤسسات جديدة تضع مقدمات/ملامح مرحلة جديدة في التاريخ.. إنسان العالم الآن بحاجة إلي طروحات جديدة تضمن عدم تهميش الفقراء و إقصاءهم و تجهيلهم من جانب، و ذبحهم وآخرين من جانب آخرٍ، فما للوجود الإنساني من معنىً و ما للأمل من مُبررٍ إن إستمر الظلم و الإستغلال ونهب الثروات وسفك الدماء في هذا الكوكب التعيس..

إنسان العالم الآن بحاجةٍ ،لا إلي الإلتفاف حول الأزمة بإبتكار آليات عملٍ ناعمة جديدة لنموذجٍ لصوصيٍ بالٍ و مُنحط ولا إنساني، بل إلي هدم هذا النموذج من أساسه وإقتلاعه من الجذور، وإبداع هيكل فكري جديد لبناء مُجتمعٍ عالميٍ جديد يقوم علي المساواة و الحرية و الحق و العدل والخير والسلام وإلغاء الفوارق بين البشر وإعادة توزيع الثروات..

إنسان العالم الآن بحاجة إلي طروحات غير تقليدية تتعامل معه بشكل مُجرد و تأخذ بالإعتبار أخطاء ماضٍ مؤلمٍ و حاضرٍ بائس..إنها الحاجة إلي ميثاق تعاون إنساني جديدٍ أو هي الكارثة التي ستُدمرنا جميعاً بلا تفرقة.

التعليقات
press-day.png