رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : ما العمل - الجزءُ الثاني

شهدت مصر في عصر "السادات" "زلازل" إجتماعية جبارة إرتبطت "بتحولات" سياسية وإقتصادية حادة و سريعة جداً لم يسعفه الوقت ليشهد آثارها الكارثية لكن نهايته الدرامية كانت علامتها والنذير، لتأتي سنوات الجمود والفساد علي يدي "مبارك" الذي قام بتثبيت الأوضاع بداعي الإستقرار في أول عشر سنواتٍ من حكمه، ثم شَرَع في التحول نحو الأسوأ في السنوات العشر التي تلتها حيث التَوَجُه الأكثر يمينية لتتضخم ثروات عدد محدود من البرجوازيين من حوارييه، ويتراكم المال (لا رأس المال) لديهم بمستويات هائلة بسبب إقتصار أنشطتهم علي أفرُعِ نمط الإقتصاد الريعي فقط كالتجارة والسياحة والبنوك ومضاربات البورصة والأراضي ثم الخصخصة البغيضة و ما إرتبط بها من أعمال.

ونتج عن ذلك النمط ظاهرتين إجتماعيتين في غاية الأهمية:

1)  دَفعُ الطبقة العاملة وصغار الحرفيين إلي خارج معادلة الحياة الطبيعية لأن أنشطة الإقتصاد الريعي التي سادت لا تحتاج إلي كمٍ ضخمٍ من الأيدي العاملة وهو الأمر الذي زاد من معدلات البطالة و الفقر و المرض في ظل نمو سكاني مُنفلتٍ صَعُبت السيطرة عليه لتتجلي تلك الظاهرة في نهاية العشر سنوات الثانية من حُكم "مبارك" مُختَزَلةً في العشوائيات التي بدأت -في ذلك الوقت- تحيط علي إستحياءٍ بالأحياء الراقية ثم ما لبثت أن إنتشرت بصورة سرطانية في العشر سنوات الأخيرة من حُكمه.

2)    توسيعُ الشريحة الإجتماعية المُلتصقة بالبورجوازية المصرية الرثة من خلال ربط مصالحها بها حيث تعددت الأشكال الإدارية التي إستوعبت قدراً لا بأس به من أعضاء تلك الشريحة. و قد إستمر هذا النمط في العشر سنوات الأخيرة من حكم "مبارك" بدرجة أكبر من التبجح مصحوباً بمستوي غير مسبوق من الفساد و مدفوعاً بحالة أكثر جنوناً من قمع الحريات، فإمتزج الفساد والنهب بالظلم الإجتماعي بالقهر السياسي في معادلة شديدة الإثارة ليكون إنفجار الأوضاع عشية ٢٥ يناير ٢٠١١ أمراً منطقياً ومُتَوقَعاً، إذ كانت البورجوازية المحلية الرثة قد فقدت أساس بناءها الطبقي و صارت بمثابة المُعوِق لتقدم التاريخ حيث لا هي طرحت قيماً مضافة بالمجتمع من خلال مساهمة رأس المال الكبير في التصنيع الضخم و الزراعة المُطَوَرة و لا أسفر نشاطها عن خلق طبقة عاملة تُشارك في العملية السياسية بظلٍ طبقي لتتولي في مرحلةٍ ما صُنع مُجتمعٍ يتناسب و مصالحها.

ساهمت البورجوازية المصرية الرثة –إذن- في خلق مجتمع مشوهٍ لا أثر “للطبقة” فيه، فما “الطبقة” سوي ترجمة واقعية “للمِلكية” حيث هي المعيار الأهم لرسم ملامح الطبقات من زاوية تحديد من يملك وسائل الإنتاج فيعيش من ريعها و من لا يملك سوي العمل فيعيش من ناتجه. دأبت البورجوازية المصرية الرثة بمنتهي التؤدة و علي مر السنين الطوال علي ترسيخ مفهوم "الطبقة الوسطي" كنموذج ثقافي بمعايير مختلفة عن معيار "الملكية" كالتصنيف بناءاً علي المستوي التعليمي أو الوظيفي و هما معيارين –وإن كانا هامين- إلا أنهما مُتغَيرين لا محل لهما في التصنيف/ التحديد الطبقي دون الثابت الإساسي وهو الموقف من "الملكية"، وبالتالي فإن إعتبار أن هناك ما يسمي "بالطبقة الوسطي" إستناداً إلي المُتغير ،لا الثابت، لا يعدو إلا أن يكون ضرباً من ضروب الوهم.

 ولقد هدفت البورجوازية المصرية الرثة من وراء ذلك إلي إضعاف تماسك الطبقة العاملة بتقسيمها إلي شريحتين؛ شريحة "وسطي" وأخرى "عاملة" ، ثم إقناع "الوسطي" بأنها الأرقي والأفضل وأن وصفها بأنها "طبقة" مستقلة إنما هو وصف يليق بها فهي الجديرة بالقرب من الطبقة البورجوازية الأعلي، لتتناقض تدريجياً مصالح "الوسطي" مع مصالح "العاملة" فتنفصلان و تتفسخان كقوي إجتماعية مقهورة في مواجهة المتوحدين البورجوازيين. يمكنك في هذا السياق تفسير سبب أن يقوم موظف/عامل مُنتَمٍ إلي "الوسطي" و لا يملك إلا عمله بالدفاع المستميت عن مستغليه من البورجوازيين لأنه ببساطة يخشي إن حدث تغيير جوهري يقلب الأوضاع الطبقية "المستقرة" بالمجتمع لغير صالح البورجوازيين (و إن ظلموه و أهدروا حقه و هم بالتأكيد يفعلون)، أن يفقد دخله المحدود الذي لا يكفيه من الأساس.

و من هذا المنطلق كانت إستجابة و إنسجام و تناغم تلك الشريحة الإجتماعية الواسعة من المجتمع المصري مع خطاب "الإستقرار" بغض النظر عن صاحبه (مبارك-المجلس العسكري الأول-الإخوان-عدلي منصور-السيسي). تلك إذن هي كلمة السر و مفتاح صندوق الإنتخاب الذي تمتلكه الشريحة الإجتماعية الأوسع و الذي حين أدركته البورجوازية المصرية الرثة إنفردت ببرلمان ٢٠١٥..إنه "الإستقرار" أو بمعني أدق "الخوف من الإنزلاق إلي أسفل".

نجحت البورجوازية المصرية الرثة في الإنفراد بالبرلمان بعدما ربطت مصالح الشريحة الإجتماعية الأوسع بمصالحها و ربما بقاءها في ذاته بعدما فصلتها عن الطبقة التي تنتمي -برسم المصالح المشتركة- إليها.

بالمقابل وكوجهٍ آخر للعملة، كان التمثيل المحدود للغاية والذي لا يكاد أن يُري لليسار المصري الذي إنهار تماسك جمهوره الحقيقي فإنقسم ثم إنفرط عقده.. ذلك الجمهور الذي هو بكل المقاييس طبقة واحدة.. "الطبقة العاملة" بكافة شرائحها التي تحتاج إلي إعادة التركيب..

 

للحديث بقية إن كان في العُمر بقية. 

التعليقات
press-day.png