رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : ما العمل - الجزءُ الأخير

أنت لا يمكنك تحقيق إستقلال وطني ولا عدل إجتماعي دون أن يكون لديك منظومتين أساسيتين تختص أولاهما بالتصنيع الثقيل والأخري بالزراعة الحديثة وهما المنظومتين الوحيدتين اللتين تُنتِجان قيماً مضافة حقيقية بالمجتمع وتَحولان دون سَفَهِ الإستيراد الشامل الذي يهدر أي فائض ويدمر قيم الإنتاج ويعلي من قيم الإستهلاك فيرسخ التبعية الإقتصادية ومن ثم السياسية..

وأنت لا تستطيع العمل علي تطوير هاتين المنظومتين بمعزل عن مناخِ حرياتٍ سياسيةٍ مُنفتحٍ و مُطلقٍ يشارك فيه "كل" المواطنين بديمقراطيةٍ لا تقتصر علي مجرد دقائق يمارس فيها المواطن "حقه" في الإنتخاب ليعود فينامُ قريرَ العين حتي يفيق بعدها علي واقع إجتماعي بائسٍ لم يتغير.

خلقُ واقعٍ جديد هو أمر يقتضي المزج بين تحقق عدالة إجتماعية وممارسة سياسية تقوم علي عمليةٍ ديمقراطيةٍ مُتحركة و مرنةٍ تُفرزُ -تلقائياً- قادة حقيقيين وتُطورُ نفسها بنفسِها بشكلٍ دائم ومستمرٍ يصل إلي ذروته أمام صندوق الإنتخاب لا كما حدث لدينا في السنوات الأخيرة حيثُ لم يتم البناء علي حراك "يناير/ فبراير ٢٠١١" بصورة تراكميةٍ تثري حياةً كادت شرايين جسم السياسية المصرية فيها أن تتيبس بفعل عوامل عدة ليصل بنا الأمر إلي أن أصبح مجرد "فعل" الانتخاب هو مُنتهي الإيجابية شكلاً بلا مُحتوى وبلا إنعكاسِ ظلٍ طبقي ففرُغت الممارسة من أي مضمونٍ يعكس صراعاً سياسياً موضوعياً.

إذن فلا مسار ديمقراطي تراكمي دون إطلاقٍ كاملٍ للحريات العامة والخاصة، ولا حريات دون نمطٍ غير تقليدي لحياةٍ سياسيةٍ تشاركية لكل المصريين - بلا أي إقصاء - تتخلق فيها تكتلات إجتماعية بغرض تكوين تحالفات تشترك في أهداف طبقية واحدة..لكن هل يمكن الوصول إلي ذلك و المجتمع المصري علي حالته الراهنة من الغياب شِبهِ الكامل لتلك التكوينات الطبقية "المُنظمة".. الإجابة هي بالتأكيد لا.. إذن فإعادة تركيب "الطبقة" بناءاً علي موقفها من ملكية وسائل الإنتاج هي فاتحةُ الكلام، و من هنا نبدأ.

البورجوازية المصرية - كطبقة - لا تحتاج إلي إعادة تركيب فهي "تبدو" متماسكة للغاية لكنها قابلة جداً للسقوط حيث تحمل في داخلها عوامل ضعفٍ كامنة، فمسلكها القائم علي تراكم المال (لا الرأسمال) جعل منها بورجوازية "رثة" أحجمت عن القيام بمثل ما ساهمت به نظيرتها في أوروبا من تطوير للمجتمع مما جعلها برغم تماسكها "الظاهري" قابلة للسقوط.

وهي ستسقط حين تبدأ مصالحها في التناقض مع مصالح الشرائح الإجتماعية التي إرتبطت بها عبر الأربعين عاماً الماضية حسبما أشرنا في الجزئين السابقين من هذه السلسة. و أحسب أن صراعاً في طريقه للتمظهر في وقت قريب بين أركان هذه الطبقة من ناحية و بين مؤسسة الجيش الإقتصادية من ناحية أخري علي إقتسام "بيزنس" الربح السريع من خلال تشريعات يقدمها البرلمان الجديد لحماية مصالح هاتين القوتين، و لعل هذا الشكل من "الصراع التنافسي" قد بدت بوادره في تلوح في صوة كسرٍ مبكرٍ للعظام حين أُلقي –فجأة- القبض علي أحد كبار رجال الأعمال ثم تم –فجأة- الإفراج السريع جداً عنه، ثم بوصول عددٍ غير مسبوق من العسكريين للبرلمان لأول مرة في تاريخ الحياة السياسية بمصر كما أشرنا في الجزء الأول.

وأظن أن القانون الذي أصدره رئيس الجمهورية مؤخراً بشأن مساهمة الجيش في مشروعات مشتركة مع الشركات الأجنبية يصب في سياق هذا التفسير ليكون حَسمُ البرلمان لهذا القانون -علي وجه الخصوص- هو مدخل المرحلة و الملمح الأساسي لما عساها تكون عليه علاقة صراعات المصالح التي ستشهد ضغوطات من الطرفين تعقبها تنازلات و تفاهمات و ربما تحالفاتٍ مرحلية أو دائمة لكنها لن تبارح ذات الإطار حيث سيظل النمط "رثاً" دون تقدم علي مستوي الإستقلال الوطني فالأدوات كما هي لم تتغير في ظل غياب شبه كامل للطبقة الأهم والأكثر ديناميكية والأقدر علي المواجهة بعد إقصائها المُتَعَمد من ساحة الممارسة السياسية.

إذن فالطبقة التي يتوجب إعادة تركيبها -في ظل هكذا ظروف مُعقدة وشديدة الصعوبة- مقابل طبقة البورجوازية الرثة التي سيطرت بجناحيها المدني و العسكري علي مفاصل الدولة المصرية هي الطبقة العاملة بمفهومها الشامل و بكافة شرائحها من عمال و فلاحين و موظفين صغار.  البورجوازية -في المُطلق- لا تستطيع مواصلة البقاء دون أن تُقَدم للطبقة المُضطَهَدة ما يُمكنها من مجرد العيش فتبقي هي علي القمة و يتنامي رأس المال لديها بينما يزداد تدهور أحوال المُضطهَدين الذين لا يملكون سوي عملهم المتواصل الذي يؤهلهم دخله فقط لإعادة إنتاج حياتهم و في هذا تستوي كل الشرائح الإجتماعية المُكَوِنة للطبقة العاملة، فما بالنا و الحال لدينا يتلخص في بورجوازية "رثة" تُرَاكِم المال (لا رأس المال) بينما الطبقة العاملة تُرَاكِم البؤس و تتزايد دائرتها لينضم إليها بؤساء جدد بفعل البطالة والإنزلاق التدريجي نحو مزيد من الفقر.

السؤال إذن هو هل يمكن إعادة تركيب الطبقة العاملة في هذا السياق؟ ثم هل يمكن أن يُعاد التركيب دون تنظيم؟ وهل يمكن للتنظيم أن يؤتي ثماره دون وعيٍ بأبجديات إدارة الصراع؟ وهل يمكن إدارة أي صراع بوعيٍ دون نضال؟ و هل يمكن لشخصٍ أو حزبٍ ما أن يقود بمفرده مثل هذا الصراع علي نحوٍ يعيد تركيب الطبقة و يطرح في ذات الوقت مشروعها المُتكامل (السياسي الإجتماعي الإقتصادي) للمستقبل في عالمٍ متجدد بظروف إستثنائية؟ نحن إذن أمام خمس كلماتٍ دقيقةٍ و مٌترابطةٍ و دَوَارةٍ و تراكميةِ الأثر: " طبقة / نضال/ تنظيم/ وعي/ قيادة ".

إعادة تركيب الطبقة العاملة بمفهومها الواسع يتحقق بإعادة صياغة الوعي لديها بحيث لا يقتصر علي "مجرد" مطالب إقتصادية تُراوح مكانها كالجَزَرةِ علي العصا فتقف عند حدود زيادات الأجور و تحسين الخدمات في إطار نمط بورجوازي لا يتغير، لكنه يمتد أفقياً و رأسياً فيتطور ليشمل أيضاً بناء ثم ترسيخ وعي "سياسي" حقيقي نابع من إدراك موضوعي للأزمة المجتمعية من خلال نضال واقعي علي أرض الواقع يقوم علي التنظيم و العمل الجماعي تؤيده عملية "معرفية" متنامية تقوم علي إدراك خديعة البورجوازية الكبري التي شيدت صرحَ مجدها بل و وجودها ذاته علي إضطهاد الطبقة الإجتماعية الأدني.

إذن فوعي الطبقة العاملة القائم علي إدراك تماسك العلاقة بين ما هو إقتصادي و سياسي هو مُبتدأُ الكلام و مفتاح الحل صوب تغيير سلمي جاد يعيد هيكلة الوضع السياسي/ المُجتمعي المختل بمصر من زاوية علاقات و ملكية وسائل الإنتاج. بعدما فقدت الطبقة العاملة المصرية كل مكتسباتها: لا نص دستوري يحمي مصالحها -و لو كان شكلياً- كالنص التاريخي لل٥٠٪ عمال و فلاحين الذي أُزيحَ من الدستور، و لم يعد لها من نواب –تقريباً- يمثلونها في البرلمان بالإضافة إلي إنحياز إجتماعي بورجوازي واضح و عملي جداً لدي السلطة التنفيذية، فلم يتبقي هناك من مجال إلا بإبتكار شكل جديد من العمل السياسي خارج الأُطر الرسمية يبتعد عن النزعة المطلبية لأحزاب و مؤسسات سياسية صنفت –هي- نفسها ضمن الإطار "الوَسَطِي" ذاته ما بين "يسار" الوسط و"يمين" الوسط و"وسط" الوسط فصار الجميع يدور فكرياً في دوائر مفرغة حول التصورات الإصلاحية لمفهوم "الوسط" سياسياً وإجتماعياً وهو الأمر الذي حرصت البورجوازية المصرية "الرثة" بجناحيها المدني والعسكري منذ زمن طويل علي ترسيخه وتعميقه في الوجدان الجمعي للمصريين تحقيقاً للجمود/ الإستقرار وفي المقابل تَوَارَى الدور المجتمعي الفاعل للطبقة العاملة بل وحتي للبورجوازية الحقيقية في تنمية المجتمع علي النسق الأوروبي القديم.

ربما يكون لشعار "تحالف قوي الشعب العامل" بعض البريق القديم الذي و إن شابَ تفعيله كثير من السلبيات كان من أهمها سيطرة الدولة الفوقية علي تنظيمه فأفسدته بيروقراطيتها و توتاليتاريتها، إلا أنه ظلَ يحمل بُعداً طبقياً علي نحوٍ يُمَكِنُ القوي "الحية" و "الحُرة" من فحصه ثم البناء عليه لأجل إعادة تركيب "الطبقة العاملة" بعد تنقيته من الشوائب التي حالت دون تطوره ومنعت تثبيت مشروع "الطبقة".

يقتضي الأمر أذن تنظيمٌ لا يقتصر علي وجود أحزاب سياسية تكون بمثابة قَلبٍ يضخ الدماء في العُرُوق التي تتمثل في كافة صور التنظيمات "المستقلة" كالنقابات والإتحادات والمنتديات والجمعيات ومنظمات العمل المدني و المثقفين المستقلين مع "تشبيك" جادٍ بينها لصهر جهودها في إطارٍ جامع كحركة وطنية ضخمة تتميز بالصلابة و المرونة في نفس الوقت، فلن يتمكن القلب (الحزب) من العمل دون عُرُوق يضخ الدماء من خلالها، ولن يكون للعُرُوق (التنظيمات المستقلة) من تأثير دون قلب نابض يقود الحركة ويُنظم "الطبقة" فيعيد تركيبها أثناء ممارستها لنضالاتها السياسية/ الإقتصادية/ الإجتماعية.

لا تحتاج مصر الآن لقلبٍ (حزب) جديد، بقدر حاجتها لحركة عامة فاعلة و ديناميكية تقوم في نفس الوقت بقيادة النضال و بلورة الوعي و إعادة التركيب للطبقة العاملة بكافة شرائحها الإجتماعية البائسة من العمال و الفلاحين و الموظفين الذين تم إفقارهم مادياً و قمعهم سياسياً و قهرهم إجتماعياً عبر عقود. مصر الآن بحاجة إلي تطوير تلك الحركة العامة التي تشبه "الكتلة التاريخية" التي دعا "جرامشي" لتكوينها وقت سيادة الفاشية العسكرية في إيطاليا في عشرينات و ثلاثينات القرن الماضي لكن بمذاق مُغِرقٍ في المحلية و مدرك كل الإدراك لظروف الواقع وأبجديات الصراع وآليات عمله.

كان للمفكر المغربي الكبير "محمد عابد الجابري" رحمة الله عليه في ثمانينات القرن الماضي إجتهادات ملموسة في شأن تعريب و تطوير كتلة "جرامشي" التاريخية للوقوف مقابل سياسات التهميش و الإقصاء فعَرَفها بأنها: " كتلة تجمع فئات عريضة من المجتمع حول أهداف واضحة تتعلق بالتحرر من هيمنة الإستعمار والإمبريالية، السياسية والإقتصادية والفكرية، وتتعلق ثانياً بإقامة علاقات إجتماعية متوازنة يحكمها، إلي درجة كبيرة، التوزيع العادل للثروة في إطار مجهود متواصل للإنتاج".

 لا أنادي بإستنساخ مفهوم "جرامشي" الذي عَرَبهُ "الجابري" فالسياقات التاريخية مختلفة وإن تشابهت بعض ملامحها فظلت "رُوح" المفهوم صالحة للنظر والإجتهاد، لكن إن حاولنا تمصير هذا المفهوم في ضوء مستجدات حراك يناير/فبراير ٢٠١١ الإجتماعي وما تلاه من أحداث عميقة حملت ملامح مختلفة ودفعت قوي بعينها -راهن "الجابري" علي وجودها ضمن كتلته التاريخية- الي خارج المعادلة، فسنكون علي بداية الطريق للإجابة علي سؤال "ما العمل".

 

 

التعليقات
press-day.png