رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب عن ديون مصر والدعم السعودي : الذينَ أَكَلوا «المَكرونة»

"إلي صديقي المخلص الكريم المنبت، عالي المقام، المسيو فيرديناند ديليسبس.. وقد خولناه بموجب هذه الوثيقة السلطة التامة لتأليف شركة عامة لحفر برزخ السويس وإستغلال القناة التي ستصل بين البحرين الأبيض والأحمر".. هكذا كان فرمان "سعيد باشا" لرفيق "المكرونة" الفرنسي.. نعم “المكرونة”.

كان “الباشا” يهيم عشقاً في “المكرونة” وكذلك كان صديقه الفرنسي، فتسببت صداقة “المكرونة” في خراب ما عَمَّرَهُ الباشا الكبير "محمد علي". في مقابل صحن "المكرونة" قدم "سعيد باشا" لشركة صديقه كافة الأراضي التي تمر بها القناة بلا مقابل وأعفاها من الرسوم والضرائب والجمارك، ومنحها حق إستخراج ما تحتاجه من مواد البناء من المحاجر الدولة بالإضافة إلي حق حفر ترعة للمياه العذبة تمتد من النيل إلي منطقة القناة بالمجان، كما أرغم أصحاب الأراضي الذين يرغبون في رَيَّها من تلك الترعة أن يدفعوا ثمن المياه لشركة صديقه، ثم ما لبث –تحت سحر "المكرونة"- أن تعهد بتقديم العمال اللازمين لحفر القناة في سُخرةٍ مأساويةٍ عابثة.

ولما طرح "كريم المنبت" الفرنسي أسهم المشروع للبيع تبقي نحو خُمْسَي الأسهم دون اكتتاب ليقوم "الباشا" بإنقاذ صديقه مرة أخري علي حساب مصر حين أغراه بعض اللصوص الدوليين بالإقتراض كي يشتري تلك الأسهم من ديون - علي الخزانة المصرية- قدموها له تُسددُ علي أقساط بفوائد مُرَكَبة عَجَزَعن الوفاء بها لتتراكم الديون وتبدأ الحكاية التاريخية بصحن المكرونة السلطاني.

مَرت الأيام والسنون وراح تحت تراب المحروسة مصريون كُثرٌ ما بين سُخرةٍ بائسة وحروب تعسة بينما بَقِيَ اللصوص الدوليون يعيثون في أرض مصر فساداً وإستغلالاً.

انتهي حُكم أبناء "الباشا الكبير" و أتي حُكم "ناصر" ليتواري اللصوص الدوليون في الظلِ انتظاراً لفرصةٍ سانحةٍ ما لبثوا أن اقتنصوها في عصر الإنحطاط الكبير أثناء حُكم "السادات" (وصلت ديون مصر الخارجية في أكتوبر ١٩٨١ لنحو ٢١ مليار دولار بعدما كانت في سبتمبر ١٩٧٠ ملياراً واحداً و٧٠٠ مليون دولار) ثم زادوا في غَيِّهم في عصر الانحطاط الأكبر علي يدي "مبارك" الذي وصلت ديون مصر الخارجية بعد نحو عشر سنين من بداية حُكمه الكريه إلي نحو ٥٠ مليار دولار تم إسقاط جزء كبير منها بعد حرب تحرير الكويت ثمناً لمشاركةِ مصر بها، ليستمر اللصوص الدوليون في عملهم الدؤوب بمعونة تابعيهم المحليين فتصل تلك الديون إلي ٣٦ مليار دولار في يناير ٢٠١١ بخلاف ديون داخلية بلغت ٩٦٢ مليار جنيه.

لم ييأس أحفاد صاحب "ديليسبس" فتعاونوا مع وكلائهم الإقليميين -في ظل "قِلَة حيلة" و"تواطؤ" تابعيهم المحليين- في إغراق مصر بالديون الخارجية لتصل في ٣٠ يونيو ٢٠١٣ إلي نحو ٤٣ مليار دولار بالإضافة إلي ديون داخلية بنحو تريليون و ٦٠٠ مليار جنيه.. تستمر الكارثة في التنامي لتصل الديون الخارجية حسب آخر بيانات البنك المركزي المصري إلي نحو ٤٦ مليار دولار بنهاية سبتمبر ٢٠١٥ بخلاف ديون داخلية وصلت إلي نحو ٢ تريليون جنيه مصري، و هو ما يعني أن كل من "يتمتع" بالجنسية المصرية الآن هو مدين بنحو ٥١١ دولار و٢٢ ألف جنيه.

لا يعلم أحدٌ علي وجه الدقة ما هو الموقف الحالي لتلك الديون حيث لم يصدر البنك المركزي أي بيانات مُحدثةٍ حتي تاريخ كتابة هذا المقال. تطورت خطط أحفاد "كريم المنبت" لكن ظل هدفهم الإستراتيجي -كهدف جدهم الأكبر- واحد لا يتبدل وبنفس الأساليب المعتادة، فإستخدموا حلفاءهم الإقليميين في الإيقاع بدول المنطقة كلٌ حسبما يتناسب مع ظروفه، وكانت القروض هي نصيبنا بذات الشروط المعروفة: خفض قيمة العملة المحلية إلغاء الدعم و بيع الأراضي و خصخصة ما تبقي من القطاع العام و تحرير التجارة وإفساد الزراعة، لتتراكم الديون ونتعثر في السداد فنقترض مرة أخري حتي نتمكن من سداد ما سبق و أن إقترضناه و هكذا حتي يعُمَ الخراب.

هل إكتفي أحفاد "كريم المنبت" بهذا القدر الأسطوري من الديون التي أغرقونا فيها في ظل ناتج قومي بائس وعجز ضخم في الموازنة ونقصٍ حاد في إحتياطي العملة الأجنبية وإستيراد سفيه يأكل اليابس والأخضر ومخاطر وتهديدات بجفاف نهر الحياة المُقدس؟ الإجابة هي بالقطع "لا"، فمازالت الصحف تُطالعنا كل صباحٍ بالطلة البهية للسيدة وزيرة التعاون الدولي مُبَشرةً إيانا بمزيد من الديون كان آخرها من بنك التنمية الإفريقي والبنك الدولي بقيمة إجمالية ٤ مليارات و ٥٠0 مليون دولار علي مدار ٣ سنوات بخلاف بعض مليارات أخري من الدولارات التي وعد صندوق النقد الدولي والبنك الأوروبي بمنحها، ثم المزيد من المليارات في صورة ديون وإستثمارات "وَجَهَ" كبير "آل سعود" بضخها في مصر بمجرد الموافقة علي الإنضمام لما يسمي "بالتحالف العسكري الإسلامي" بقيادة "ولي ولي عهده" في مُقايضةٍ رخيصة للمال بالدم.

ودعوة كبير "آل سعود" -فيما عدا الديون- لا تعدو سوي أن تكون دعوةُ إفكٍ خادعة ذَيَّلها بما أسماهُ دَعم الملاحة في قناة السويس (و أنا لا أدري علي وجه التحقيق كيف سيدعم الملاحة بالقناة وأي فضلٍ زائد سيبذله "جلالته" في هذا السياق، فهل سيأمر مثلاً السفن السعودية المتوجهة إلي الصين أن تمر أولاً عبر قناة السويس أم أنه سيُسيرُ سفناً للنُزهة في القناة ذهاباً و إياباً علي سبيل الدعم). و لما كان كبير "آل سعود" لا يمكنه أن يطلب من أصحاب المال الخاص السعوديون أن يستثمروه بمكان دون آخر، فلن يعود أمامه لتفعيل "توجيهه" إلا أموال دولته، وإن أنت علمت أن سياسته الإقتصادية حالياً تقوم علي تصفية وتسييل أجزاء ضخمة من إستثمارات الصناديق السيادية التي تملكها دولته لأجل الإنفاق علي تحالفاته وحروبه بالوكالة -لا لغرض الإستثمار المُباشر- في ظل تدهور أسعار النفط عالمياً وإنعكاساتها السلبية الحادة علي موازنة دولة "جلالته"، فستدرك ضلالَ دعوته وفسادَ توجيهه الذي سيقتصر علي إستثماراتٍ رثةٍ لا تنمية تُرَجَي من ورائها وهو الرابح الوحيد منها ثم مزيداً من الديون التي ستُغرقنا أوحالها مُرَسِخَةً أوضاعاً بائسة لتتأكد عندئذ أننا نحن الذين "أكلنا المكرونة".  

التعليقات
press-day.png