رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: قراءةٌ عصريةٌ في طبائعِ الإستبداد

"طبائع الإستبداد ومصارع الإستعباد".. مائة وثلاثة عشر عاماً كاملة مضت علي هذه المخطوطة العبقرية للحَلبي العظيم "عبد الرحمن الكواكبي" لم يتبدل فيها من واقعنا شيئاً ولم يتغير من أحوالنا بموجبها أمراً.  

يُورِث كل نظام لتابِعِهِ شروط الإستبداد و آلياتِ عمله و كأنه حَتمٌ علي سكان هذا الجانب المُظلم من كوكبنا الحزين أن يعيشوا في قهرٍ مُقيم، لينتقل الإستبداد في سلاسة مُبهِرةٍ من نظامٍ لآخر فيؤدي الي حَبسِ صيرورة التاريخ التي ما أن تتوقف إلا و يتجمد بنا الزمن عند لحظةٍ ما.. وحركة أي أُمةٍ – إن تجمد الزمن - لا تتوقف عند لحظة التجمد تلك فحسب بل هي تتراجع – واقعياً - للوراء برسمِ تَقَدُم الأخرين لتجد تلك الأمة نفسها طريدة الحضارة إلي خارج المسار، و حينها تتحول الأمة إلي مُجرد عالةٍ علي الإنسانية بلا مساهمة تُذكر في تطور البشرية، فتنزوي مُنضَمَة إلي قريناتها من الأُمم المُستَعبَدة التي تقتاتُ علي فِتاتِ ما ينتجه الآخرون و تنقطع صلتها بتطور البشرية فتضمُرُ وتؤول إلي زوال.

وأحسَبُ أن السبب الأساسي في مأساتنا/ ملهاتنا تلك هو الإستبداد المُقترن بممارسات النظم التوتاليتارية حيث لا صوتَ سوي صوتُ الرجل الواحد مبعوث العناية الإلهية أبو الشعب المُلهَم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لتتماهي كل الخطوط الفاصلة فيصير الرجل الواحد هو الدولة والنظام وسرُ الحياة، ويتحول أصحاب الرأي المخالف - بل و حتي الصامتون الذين لا يسيرون في الرَكبِ - إلي محض عُملاء يسعون إلي هدم الدولة.. حينها تتعطل صيرورة التاريخ إذ تتحول حركة الواقع التي هي جدليةٌ بالضرورة- إلي نمطٍ أُحاديٍ جامدٍ يتنافي مع روح تلك الحركة القائمة علي التناقض المبني علي تعدد الرؤي والطروحات فينتفي التركيب ويتوقف التراكم ويتعوق التجديد لينحسر التقدم ويسود الجمود، ومن ثَمَ تجد الأمة نفسها تدريجياً سائرةً عكس حركة الكون.

تُنقذُ الإنتفاضات الشعبية التاريخ حين تتمرد الجُموع علي حالة الموات التي أنتجها المُستَبِد وتصادف في معرِض نضالاتها من يحاول من أصحاب المصالح المضادة كبتها وإحتجازها في إطار الإنتفاضات المطلبية لأجل الحيلولة دون تطورها لصياغة واقعٍ مُجتمعيٍ جديد في غياب مجموعاتٍ مُنَظَمَةٍ تقود هذا التطور.

نعود إلي صاحبنا "الكواكبي" الذي يقول في مخطوطته العبقرية في وصف الإنتفاضات الشعبية: "العوام لا يثور غضبهم علي المُستَبِد غالباً إلا عقب أحوال مخصوصة مهيجة فورية. منها:عقب مشهد دموي مؤلم يوقعه المستبد علي مظلوم يريد الإنتقام لناموسه.. عقب حرب يخرج منها المستبد مغلوباً، ولا يتمكن من إلصاق عار الغَلَب بخيانة القُواد..

عقب تظاهر المستبد بإهانة الدين إهانة مصحوبة بإستهزاء يستلزم حدة العوام..عقب تضييق شديد عام مقاضاة لمال كثير لا يتيسر إعطاؤه حتي علي أواسط الناس..في حالة مجاعة أو مصيبة عامة لا يري الناس فيها مواساة ظاهرة من المُستَبِد..عقب عمل للمُستَبِد يستفز الغضب الفوري كتعرضه لناموس العِرض أو حُرمة الجنائز في الشرق أو الشرف الموروث في الغرب..عقب حادث تضييق يوجب تظاهر قسم كبير من النساء في الإستجارة و الإستنصار..عقب ظهور موالاة شديدة من المستبد لمن تعتبره الأمة عدوا لشرفها."

ثم يقول صاحبنا الكواكبي في وصف وزراء المُستَبد و حوارييه: "المُستَبِد مهما كان غبياً لا تخفي عليه تلك المزالق، و مهما كان عتياً لا يغفلها عن إتقائها، كما أن هذه الأمور يعرفها أعوانه و وزرائه. كم يغررونه برضاء الأمة عنه، و يجسِّرونه علي مزيد من التشديد، و كم يحملونه علي إساءة التدبير، ويكتمونه الرشد، وكم يشوشون فكره بإرباكه مع جيرانه وأقرانه."

ما أشبه الليلة بالبارحة.. الإستبداد لا زمان له لكن له كثيرٌ من الرجال الذين لا يقرأون وإن قرأوا لا يفقهون وإن فَقِهوا لا يمارسون سوي نفس الأخطاء والخطايا بمنتهي غرور القوة و قُبح الإجتراء.

علي القوي الديمقراطية مهامٌ تاريخيةٌ جسامٌ تخوض من خلالها نضالاً علمياً تقوده طليعة ثقافية للوقوف بوجه الإستبدادِ بكافةِ صُوَرِه، الدولي منها والإقليمي والمحلي، وتُقدمُ مشروعاً جديداً للمستقبل يُبني علي دعائم العدل و الحرية و مناهضة التمييز و محاربة التبعية من خلال رسم آليات عملٍ لنظام سياسي إقتصادي إجتماعي جديد يُعيد توزيع الثروات ويحقق الديمقراطية الكاملة ويخط طريق الإستقلال الوطني وإلا فستكون مُشَارِكةً – صمتاً - في تثبيت الإستبداد وترسيخِ دولته، أو كما قال صاحبنا "الكواكبي" في خاتمةِ مخطوطته العبقرية: "إن الله جلت حكمته قد جعل الأمم مسئولة عن أعمالِ من تُحَكِّمهُ عليها، وهذا حق. فإذا لم تحسن أمة سياسة نفسها أذلها الله لأمة أخري تحكمها و هذه حكمة. و متي بلغت أمة رشدها، و عرفت للحرية قدرها، إسترجعت عزها، وهذا عدل".

 

 

التعليقات
press-day.png