رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب عن: إسماعيل .. وإسماعيل

"قبل مُحاكمته بتهمة التآمر عليه، استدعاه الخديوي إلي سراي عابدين كعلامة للثقة به و تلطف في محادثته ثم اصطحبه إلي سراي الجزيرة مُظهِراً أنه قد رضي عنه، و لكن لم تكد العربة التي أقلتهما تجتاز حدائق السراي وتقف أمام بوابة القصر حتي نزل الخديوي من العربة وأصدر أوامره بالقبض علي الرجل وإعتقاله، ومن تلك اللحظة اختفي نبأُ الرجل إذ عهد الخديوي إلي أتباعه فقتلوه وألقوا بجثته في النيل، لتستمر المحاكمة الصورية – غيابياً - و يصدر الحكم بنفي الرجل إلي "دنقلة" في حين أنه قد لقي حتفه قبل أن تتم محاكمته".. هكذا حدثنا المؤرخ الراحل "عبد الرحمن الرافعي" عن الرجل في كتابه الموسوعي "عصر إسماعيل".

كان الرجل هو "إسماعيل صديق" باشا وزير المالية المصرية الذي لُقِبَ "بالمُفتش" لإنه كان يشغل منصب "مُفتش عموم الإقليم" قبل توليه الوزارة التي قضي بها أسوأ ثمان سنوات من عمر مصر علي الإطلاق بدأت في ١٨٦٨ و إنتهت في ١٨٧٦.

بدأت حكاية حُكام مصر مع الديون الأجنبية في عهد الخديوي "سعيد" علي شَرفِ طبق "المكرونة" السلطاني (أنظر مقالي "الذين أكلوا المكرونة" بموقع جريدة "البداية")

 http://albedaiah.com/articles/2015/12/18/102769

 لتستمر و تستشري بأعلي مستويات السَفَه في عهد خَلَفِه الخديوي إسماعيل الذي أورثنا في نهايته وضعاً إقتصادياً بائساً آلَ إلي إحتلالٍ عسكريٍ فَج. كان "المُفتش" يتمتع بعقليةٍ ابتكارية وإبداعيةٍ فذةٍ ويحوز مهارات مُحاسبية وإقتصادية عظيمة وضعها في خدمة صديقه ومولاه الباحث عن الخلود والمجد، ليصنع من الحيلِ الدفترية والخدع المالية ما يَفوقُ ملاعيبَ الشُطَّار ويتجاوز حُدود الإحتيال، فوضع نفسه في مكانةٍ تاريخيةٍ جديرة بجرائمه ومات ميتة يستحقها بيدي من أعانه علي الإثم و العدوان.

حواديت عصر الخديوي إسماعيل من بذخٍ وإسراف بإستخدام الديون "المباشرة" لا تنتهي، و وُضِعت في وصفها و تفسيرُ أصولها مؤلفات ومُجلدات، لكن أحداٍ لم يتوقف –تفصيلاً- عند ألاعيب "المُفتش" فيما يتعلق بالديون "غير المباشرة" كما فعل "جبرتي" هذا العصر المرحوم "عبد الرحمن الرافعي" في سياق شرحِ "عصر إسماعيل"، و هذا ما حرصتُ إعادة قرائته و محاولة طرحه في هذه السطور القليلة.

من أكثر ألاعيب "المُفتش" دناءةً و خِسة و تدليساً كان فضيحة صيف ١٨٦٩ (أزعم أن "المُفتش" كان واحداً من الآباء المؤسسين لأداة النصب الرأسمالية المستخدمة حالياً و المعروفة بإسم "المشتقات" Derivatives) حيث باع للتجار الأجانب ما يزيد علي ٥٠٠ ألف أردب من بذر القطن وقبض ثمنها نقداً مقابل وعد بتسليمها عند جني المحصول بعد خمسة أشهر وذلك لإحتياج الحكومة وقتها للمال الفوري، وعندما انقضي الميعاد اتضح أن الحكومة قد باعت ما لديها من محصول القطن وسلمته بالفعل لتجار آخرين وقبضت ثمنه نقداً، فلما طالب التجار الأُولُ ببضاعتهم المؤجل استلامها، قام "المفتش" بالتفاوض مع التجار الآخرين الذين إشتروها وتسلموها فعلاً كي يُعيدُ شراءها منهم وتسليمها للتجار الأُول لأجل أن يتسني له تسوية تلك الفضيحة، فباعوا له ما سبق وأن اشتروه و لكن بثمنٍ مبالغٍ فيه يزيد بنحو ٩٪ عن الثمن الذي دفعوه.

لم تكن تلك هي نهاية الملعوب، إذ لما كان لا مال بالفعل لدي الحكومة للسداد، فقد قام "المُفتش" بتحرير سندات/أوراق دين تعهدت فيها حكومته بسداد تلك المبالغ لكن بفوائد تصل إلي ١٢٪ سنوياً محسوبة علي السعر الجديد الأعلي لا علي السعر الأصلي. و حينما إنفتحت الدفاتر للأجانب من أعضاء لجنة التحقيق الأوروبية في ١٨٧٨، تبين أن "المُفتش" قد كررها كثيراً مما أدي إلي تراكم الديون غير المباشرة والمباشرة وفوائدها الباهظة  لينتهي الأمر بإحتلال بلادنا واستعباد أباءنا والجدود.

أربعُ رجال يحرص كل طاغيةٍ علي وجودهم إلي جواره: رَجُل قانونٍ، ورَجُل دعايةٍ، و رَجُل اقتصادٍ، ثم رَجُل دينٍ ممن باعوا للشيطان أرواحهم ليقتنصها الطاغية ويشتريها برخيصِ المال، فإن فَرَغَ من مُبتغاهُ من أيٍ منهم أو وَجَدَ منه علي مملكتِه خطراً، لفِظَهُ -غير عابئٍ- حبيساً وراء القضبان أو قتيلاً مُلقىً في النيل كما فعل "إسماعيل" الخديوي بـ "إسماعيل" المُفتش. إنه درسُ التاريخ الذي لا يُدركه سوى أصحاب النفوس الطاهرة والعقول اليقِظة وقانا الله و إياكُم شرَ من لا يُدركون.       

 

التعليقات
press-day.png