رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : «إفلاس آل سعود»

أموالٌ ضخمة تُهدَر بلا حساب تحت غطاءِ خلافٍ مذهبيٍ تاريخي يصل ١٣٣٥ عاماً من الأحمر الدافق المُراق بين «كربلاء وتعز».. كانت الهاويةُ تتسع و كان العالم بأكمله علي حافتها يقف بأطراف الأصابع، بينما المَحليون يرقصون في خَدَرٍ عظيمٍ علي صوت دفقات الرصاص و دخان البارود الذي لا يتوقف لتنفتح القبور في تدافعٍ أسطوريٍ أشبه بجنون أوروبا في ١٦١٨ و ١٩١٤ و ١٩٣٩..

لم تكن المعركة الحقيقية تضطرم نارها علي تخوم جبال «اليمن» الوعرة، بل كانت أحداثها تجري ساخنة علي جليد «فيينا» بين الأبطال الحقيقيين.. إمبراطوريةٌ عجوزٌ مُنهَكةٌ قاربت شمسها علي الزوال تقاتل معركتها الأخيرة فتحشد قواها فيما يشبه إنتفاضة ضوء الشمعة قبل إنطفائها أو «حلاوة الروح»، بينما علي الطرف الآخر إمبراطورية بازغة فَتيةٌ تنشد مكاناً و مكانةً في الشرق..عشر سنوات من الصراع المُرهِق بين الإمبراطوريتين إنتهت هناك في «فيينا»، بينما ظل خط الدم التاريخي -برسمٍ طائفيٍ مجنونٍ- سَيَّالاً في الشرق المنكوب. رُفِعت العقوبات المالية عن “إيران” و إتُفِقَ علي إن تُرَد لها تدريجياً أموالها المُجمدة منذ عقود مع إعادة ربطها بنظام SWIFT للحوالات الدولية في مقابل إلتزامها بعدم تطوير سلاح نووي و تخصيب اليورانيوم إلي تركيز يفوق ٣.٦٧٪..كانت تلك هي ساحة المعركة الحقيقية وكان من المُتَصَور لدي حَسَني النوايا أن ينتهي جنون شبق الدم في الشرق تبعاً لذلك حسب قول كبير الإمبراطورية العجوز: “إن عدم وجود إتفاق مع إيران يعني مزيداً من الحروب في الشرق الأوسط”، لكن النهاية السعيدة لم تتحقق و من غير المنظور أن تتحقق، فتخطيط إندلاع الشرر سهل لكن إيقاف إستشراءه هو أمر بالغ الصعوبة و غير قابل للسيطرة إن إفترضنا حُسن النوايا فما بالك و أنها ليست كذلك.

خرجت «إيران» منتصرة ولم تنهزم “أمريكا” و من معها، حيث لا غالب هناك و لا مغلوب و لكن تسويات ترضي طرفي الصراع..كانت إيران تضغط “بالحوثيين” بينما كانت أمريكا و من معها يضغطون بورقة “آل سعود”، فلما إنتهت الأزمة و بلغ كلٌ مُبتغاه في “فيينا”، وجد “آل سعود” أنفسهم غرقي حتي الأعناق في أوحال “اليمن” بعدما جعلوه خراباً غير سعيد. توقع العبد الفقير كاتب هذه السطور في أثناء إحتدام الأزمة أن يشهد الإقتصاد العالمي بعد نهايتها إنهيارات حادة و إضطراباتٌ عُظمي ستضرب -أول ما تضرب- “آل سعود” علي خلفية إنفاق عسكري ضخم أشعل المنطقة و هوي بأسعار النفط إلي مستوياتٍ تاريخية غير مسبوقة بما سيؤثر علي المالية العامة لأصحاب التجريدة في ظل إلتزامات مالية ضخمة قطعوها علي أنفسهم لمواطنيهم مقابل ألا يفكروا مجرد التفكير في الإقتراب من عرشهم المتهاوي و لحلفائهم الصغار ممن خاضوا التجريدة إلي جوارهم ولو بمعسول الكلام.

كشفت مجلة فورين بوليسي الأمريكية في سبتمبر الماضي أن “آل سعود” قد أنفقوا ما يزيد عن ال٧٠٠ مليار دولار في ستة أشهر منذ بدء التجريدة في مارس حتي أغسطس ٢٠١٥  بالإضافة إلي قيامهم بسحب ودائع لهم بنحو ٧٢ مليار دولار حتي نهاية سبتمبر من نفس العام. في نهاية ٢٠١٤ نشرت جريدة الشرق الأوسط السعودية أن تقديرات الحكومة لسعر برميل النفط كانت قد حُدِدَت لموازنة ٢٠١٥ بسعر ٧٥ دولار للبرميل الواحد، فوصل بنهاية العام إلي ٤٠ دولار للبرميل. و أنت إن أخذت بالإعتبار أن دولة "آل سعود" تنتج يوميا نحو ١٠.٢ مليون برميل و أن تكلفة إستخراج البرميل الواحد تبلغ نحو ١٠ دولارات بينما سعر بيعه قد وصل الآن إلي حدود ٣٠ دولار، أي أن ربح البرميل الواحد قد صار ٢٠ دولارا بعدما كان ٦٥ دولار قبل التجريدة المذهبية الحمقاء، فستدرك أنهم قد خسروا بسببها ما يقرب من ال١٦٧ مليار دولار من جراء خفض أسعار النفط، فما إن أضفت تلك الخسائر إلي ما أنفقوه علي دمار اليمن فستدرك أن إجمالي حجم خسائرهم -المُرَشَح للزيادة- بسبب تورطهم في أوحال اليمن قد وصل في بضعة أشهر إلي ما يقرب من تريليون دولار.

إضطر "آل سعود" مؤخراً إلي إتخاذ إجراءات تقشفية كرفع الدعم عن المواطنين و المقيمين فتأثرت السيولة النقدية بالمجتمع و تزلزلت سوق المال و بدأت الخسائر تظهر في القوائم المالية للشركات و البنوك و تعطلت المقاولات الضخمة و تدهورت إحتياطيات النقد الأجنبي و تفاقم عجز الموازنة.

علي المستوي الإجتماعي، فدولة آل سعود" –شأنها في هذا شأن دول الخليج كافة- يعيش بها أجانب كثيرون من العرب و غير العرب و قد تأثرت دُخُول هؤلاء سلباً من جراء التقشف الحكومي الأمر الذي سيجعل من بقاء الأجانب (و بالأخص من أصحاب المهن البسيطة البائسة التي لا مقابل مادي مُجدٍ لها) أمراً غير إقتصادي لهم و سيشرعوا بالتالي في الخروج من جحيم دولة "آل سعود" تاركين أداء تلك المهن للمواطنين الذين يأنفون من أدائها بما سيزيد من تململ المواطن المُدلل الذي إعتاد علي رفاهٍ ماليٍ مقابل صمتٍ سياسي فإذا به يخسر كل شيئ..لا رفاه مالي و لا مهن مريحة و لا حريات في ظل نظامٍ سياسييٍ ماضويٍ بالغ الشقاء مما ينذر بعواقب إجتماعية وخيمة و خاصة بعدما فعلوه مؤخراً من "جَر شَكَل" إيران بتصرفات تفتقر إلي أبسط مبادئ السياسة. قارب نظام "آل سعود" علي الإنهيار، إذ سيترتب علي إفلاسه السياسي و وَكَالتِه لمملكة الشر العالمية إفلاساً مالياً بدأت مُقدماته في الظهور.

 

التعليقات
press-day.png