رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب عن خصخصة البنوك: هكذا تَحَدثَ المُحافِظ

"إن البنك المركزي يدرس بيع حصته في أحد البنوك العاملة في السوق المصرية لمستثمر رئيسي، ويدرس زيادة رأسمال بنكين تمتلك الحكومة فيهما حصة كبيرة وأن الزيادة المقررة برأس المال ستكون في حدود ٢٠٪ وستكون عبر الطرح في البورصة"..

هكذا تحدث محافظ البنك المركزي المصري في اليوم التالي للقائه برئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير المالية ووزير الصناعة.

العِبارةُ إذن تحتوي علي شقين حسب تصريح المحافظ الذي تحول دوره من مُهندسٍ للسياسات النقدية إلي مُجرد بائع يعرض بضاعته في السوق.. "بيع حصة يمتلكها البنك المركزي ممثلاً للحكومة في رأسمال أحد البنوك" - "زيادة رأسمال بنكين ، تمتلك فيهما الحكومة حصة كبيرة، بنسبة ٢٠٪ من خلال عرض تلك الزيادة بالبورصة"، وكلا الشِقين ليسا سوى مَحضُ خصخصةٍ وإن نفى المحافظ ذلك.

البيعُ صريح في الشق الأول من عبارته، إذ ستتخلي الحكومة بالبيع الواضح المباشر الذي لا مراءَ فيه عن كامل ملكيتها برأسمال أحد البنوك لمستثمرٍ لا يعلم سوى الله من سيكون وما عساها ستكون جنسيته ولا خططه أو سياساته التي قد لا تتماشي مع أهداف مجتمع يسعي لبناء نفسه. وبافتراض حُسن النوايا، فإن أي مستثمر من القطاع الخاص يسعي لتحقيق عوائد علي رأسماله تحمل ثلاث ملامح أساسية وهي أن تكون عالية، وسريعة، ومنتظمة، وتلك الملامح لا تتوفر في حال شراءه بنكاً إلا في تمويل عمليات التجارة في السلع والبضائع بيعاً وشراءاً، والمضاربة في الأسهم والأراضي والعقارات، وأعمال السياحة التي – علي أهميتها - لا تعدو إلا أن تكون مجرد ترسيخٍ لنمط إقتصادٍ إستهلاكيٍ لا يطرح قيماً مضافة بالمجتمع بل هي في واقع الأمر تساعد في تصدير فائض القيمة للخارج وتزيد من التبعية وتهدر إمكانات الحشد المالي لعملياتٍ تنموية ترتقي بالمجتمع وتسهم في خلق استقلالٍ وطنيٍ لا يتحقق سوي من خلال وحدات مصرفية ذات قواعد رأسمالية ضخمة وقوية يمكنها تحمل مصاعب التنمية الحقيقية التي لا تؤتي ثمارها إلا علي آجالٍ طوال.  

أما البيعُ في الشِق الثاني في عبارة المُحافظ فهو خَفيٌ مُستتر إذ سيترتب علي زيادة رأس المال تغييرٌ في هيكل الملكية بدخول مساهمين جدد يملكون ٢٠٪ من رأس المال بعد زيادته ليتقلص حجم رأس المال الحالي كما شرح صديقنا الدكتور "شريف قاسم" في أحد تعليقاته بالفيسبوك، فإن كان رأس المال الحالي لبنكٍ ما - للإيضاح والتسهيل فقط دون تعقيدات فنية- هو١٠٠ مليون جنيه مملوك بنسبة ١٠٠٪ للحكومة فسيصير بعد الزيادة ١٢٠ مليون جنيه (الزيادة محسوبة بنسبة ٢٠٪ من رأس المال الحالي) وحينها ستصير نسبة الملكية هي ٨٣٪ للحكومة (١٠٠ مليون جنيه من أصل ١٢٠ مليون جنيه) و١٧٪ للمساهمين الجدد (٢٠ مليون جنيه من أصل ١٢٠ مليون جنيه) بما يعني فعلياً أن تغييراً في هيكل الملكية قد حدث فأدي إلي خفضٍ في حصة الحكومة برأس المال، وهو ما قد يتبعه تغيير في مجلس الإدارة في غالب الأحوال لضمان تمثيل المساهمين الجدد بما يُخرج هذا البنك من السيطرة الكاملة للحكومة ويفقدها قدرتها المطلقة علي إستخدامه في توجيه السياسات النقدية/المالية/الإئتمانية و يُحبط خططها التنموية إن وُجِدت والتي تقتضي تمويلاً يمكن للبنك إن كان تحت سيطرتها أن يوفره لها.

وأنت إن قمت بالربط بين ما قاله محافظ المركزي وبين ما قاله المُتحدث الرسمي بإسم مؤسسة الرئاسة فور إنتهاء اللقاء الذي أشرتُ إليه آنفاً، فلن يسعك سوي أن تندهش ثم لا تلبث إلا وقد أصابك من الهلع كل شديد، إذ كشف المُتحدث في بيان صحفي تعقيباً علي هذا اللقاء عن نية الحكومة في طرح حصص في رأسمال شركات و بنوك حكومية "ناجحة" في البورصة.

في عصر المخلوع "مبارك"، كانت الخصخصة تجري بحُجة أنها تتم لشركاتٍ خاسرة – أو تم "تخسيرها" عمداً - أما الآن فلماذا تتم الخصخصة لو كانت تلك البنوك والشركات "ناجحة"؟ ولماذا - وهي ناجحة - يتم حرمان موازنة الدولة من عوائدها؟ الإجابة المنطقية هي أن الحكومة تشهد أزمة سيولة حادة في وقت تعاني منه دول الخليج من مصاعب مالية جمة بسبب إنخفاض أسعار النفط وورطة آل سعود وحلفاءه باليمن مما أدي إلي وقف مساعداتهم المالية للحكومة ووَضَعَ الجميع في مأزقٍ لا شأن له بشكل الملكية ولا بنمط الإدارة ولكنه وضعٌ مُرتبطٌ بالعجز التام والفشل الذريع في إيجاد حلول ذاتية لإدارة أدْمَنَت الإقتراض.

لم تفكر الحكومة لأسباب عدة -يضيق المقام الآن للإسهاب في بيانها- في ضم الصناديق الخاصة، أو ضغط نفقاتها الفاحشة بالموازنة، أو فرض ضرائب تصاعدية حقيقية، أو رفع الدعم عن مليارديرات المصدرين والشركات كثيفة الإستهلاك للطاقة التي تبيع منتجاتها بالأسعار العالمية، أو تحصيل ما هربه رموز نظام "مبارك" للخارج، أو مواجهة من نهبوا غاز مصر في شرق المتوسط لكنها فقط لم تجد أمامها سوي بيع ما هو متاح مما يمتلكه شعب مصر و ستستمر إلي أن تصل إلي مرحلة لن تجد فيها ما يمكن بيعه و عندها ستكون قد وقعت الواقعة.

 

 

التعليقات
press-day.png