رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: لِمَن ألْقَى السَّمْع

دائرةٌ ضيقةٌ إتسعت لتحيط بين جناحَي الوُد كل من أراد أن يكون جزءاً من مشهدِ مجازفَةٍ لا يتكرر..جناحي الوُد المُبهم الذي لا يُمكنك الإحاطة بأبعاده أو تفسيره أو وضع توصيف له يخضع لمعايير العِلم الصارمة قبل حدوثه أو في أثناءه..حين تنظر للمكان/الرمز من عَلٍ فلن تري تفاصيل الصورة الدقيقة..لن تري سوي كتلةٍ واحدةٍ تتحركُ ببطءٍ مَهيب صوب هدفٍ واحدٍ و وحيد..حالةٌ من تلاحم الفناءِ فيما يشبه وحدة الوجود عند الصوفية..يقول الدكتور "حسن الفاتح قريب الله" في مخطوطته القَيِّمة "فلسفة وحدة الوجود": "إن الإتحاد عند الصوفية يمثل أحد أعلي درجات الفناء و فيه يُستَهلَك المُحبُ بكُليتِهِ في المحبوب"..أليس في هذا شيئٌ مما حدث؟..بلي، فقد كان هذا هو ما حدث علي وجه اليقين..حَلَت روحٌ جبارةٌ سحريةٌ في الجموع الشعبية فحشدتها في تلك الدائرة كياناً مُلتَحِماً في لحظة نشوةٍ تاريخيةٍ لا يُقاسُ مداها بعدد أيامٍ نعرفها بمعاييرِ عقولنا محدودة القدرة..تَجَلت اللحظة في المكان كما "الظهور في النهار" في تكثيفٍ عبقريٍ لمفهومي "الضمير و السلوك" معاً كقيمتين مُطلقتين متوحدتين في منطقٍ إنسانيٍ متماسكٍ لم يعرفه سوانا، فإذا بمغاليق صندوق التاريخ تُفتَحُ لنا علي مُنتهاها لتكون تلك اللحظة..وَمضةُ إبداعٍ راقٍ بَرَّاقٍ حسبناها ثمانية عشر يوماً لكنها لا تعدو سوي أن تكون لحظة من عُمرِ زمنٍ عشناه..لحظةٌ واحدةٌ و كفي.

لا تُقاسُ الظواهرُ العِظام بمجرد "لحظةِ" حدوثها، لكنها تتحدد و تتضح معالم تأثيراتها بموجبات ما سبقها و ما يتلوها من أحداث..و أنت يمكنك -بِحُكم ما تيسر من رفاهةِ القُدرة علي التقييم الموضوعي للتاريخ القريب- أن ترصد فتُحلل ما سبق، لكنك أبداً لا تستطيع أن تتنبأُ فتستعد لما هو تالٍ بمعزل عن مقدمات الظروف الموضوعية المُبشِرة به، فالتراكم المتنامي يدفع بالأحداث إلي اللحظة/الذروة التي تتمظهر في المكان/الرمز. كان هذا بالضبط هو ما حدث في لحظتنا التاريخية يوم "الظهور في النهار"، إذ دَفَعنا تراكمُ أحداث أربعين عاماً طوال للقاء اللحظة/الذروة في المكان/الرمز.

 إن الحَبسَ وراءَ جدران المنازل أو خلفَ قضبان السجون، و مُصادرة المكان/ الرمز في حظر تَجوال إختياري لن يَحولا دون ذروةٍ جديدة إن توافر لها تراكمٌ يبررها بظروفٍ موضوعيةٍ قد تكون مُختلفة (أو مُتشابهة بحسب الأحوال) عن ظروف الذروة السابقة و بميعاد غير معلومٍ و في مكانٍ ربما تجاوز الرمز القديم. ما الإختفاء القسري و الإعتقال علي ذمة الإشتباه بالنيات و منع التظاهر السلمي و سحق الكرامة و هدر الثروات و بيع المال العام و مَحو ما تبقي من أملٍ يتلاشي في عدلٍ إجتماعي سوي ظروف موضوعية تصنع تراكماً كمياً و نوعياً يتنامي يوماً بعد يوم كتلك الغيوم الثِقَال التي حملتها سماء الإثنين ٢٥ يناير ٢٠١٦ التي لم تمطر إلا قليلاً. مازالت سماؤنا ملبدةٌ بغيومٍ ستسقط مطراً غزيراً لا يدري أحدٌ متي يحين ميعاد ذروته و لا أين يكون مكان هطوله. هكذا علمتنا طبيعة الأشياء، و هكذا كان درس التاريخ "اللئيم" -حسب وصف المُعلم "هيجل" العظيم- لِمن ألْقَى السَّمْعَ و هو شَهيد.

التعليقات
press-day.png