رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب عن الرأسمالية الرثة : أحوالُنا التي لا تَسُرُ النَاظرين

"إن ناصر لم يكن ناصرياً عام ١٩٥٢، فصار ناصرياً إنطلاقاً من الأعوام ١٩٥٥/١٩٥٧"..هكذا تحدث الدكتور "سمير أمين" بِلِسانِ الحِكمة مُلَخِصاً وضعاً التَبَسَ لدي دارسي التاريخ الإقتصادي لمشروع "ناصر"..قَصَدَ كبيرُنا الذي علمنا بهذا الوصف البليغ أن مشروع "ناصر" في "التنمية المُستقلة" كان قد بدأ يجد طريقه للنور فِعلياً بعد "باندونج" الذي سَبَقَه ووَاكَبَه صراعٌ خاضه الرجل فحَسَمَه في ١٩٥٥ ثم رسخه في ١٩٥٧ بإنشاء المؤسسة الإقتصادية التي كانت بمثابة الأب الشرعي لشركات و مصانع القطاع العام.

لا شك عندي أن تجربة "ناصر" بشكل عام اكتنفتها إخفاقات عديدة ليس هذا مجال الخوض في تفاصيلها لكن يمكن إجمالها في أمور تتعلق بمصادرة الحريات وغياب التنظيمات السياسية والنقابية المستقلة، وعدم توظيف الصراع الطبقي بالصورة التي تحقق عدالةً إجتماعيةً نموذجية في ظرف تاريخي بعَالمٍ كان مايزال قيد التَشَكُل فيما بعد الحرب الكونية الثانية.

كان الهاجس الأكبر للرجل هو "التنمية المستقلة" التي إن تم تلافي كل ما سبق ذكره من الإخفاقات لكانت قد تحققت بكاملها ولم تنهدم لَبِناتها تحت ضربات معاول "السادات" و"مبارك" من بعده.

في البدء راهنت حكومة يوليو ١٩٥٢ علي الإستثمارات الأجنبية، فعدَلت القوانين لترفع نسبة مساهمة رأس المال الأجنبي في المشروعات إلي ٥١٪ فبَاءَ رهانها بالخُسرانِ المُبين.. ثم راهنت علي الرأسمالية المحلية من خلال خفض الرسوم الجمركية علي استيراد الآلات الزراعية و مسلتزمات الإنتاج وقدمت الأراضي بالمجان أو بتسهيلات كبيرة تشجيعاً للرأسماليين المصريين الذين طُرِحَت عليهم العديد من الدراسات الفنية المُكتملة والجاهزة للتنفيذ الفوري من خلال "مجلس الإنتاج القومي" الذي تبني برنامج إتحاد الصناعات المصرية صاحبِ فكرة مشاركة الأموال الأجنبية في الإقتصاد المصري، لكن هذا الرهان ما لبث إلا وقد لحق بسابقه في خُسرانٍ آخر، حيث رفض البنك الأهلي تمويل تجارة القطن وساهم آنذاك في تهريب أموال كثيرة للخارج، كما أحجمت الرأسمالية المصرية عن المشاركة في المشروعات النهضوية الجديدة لأسباب عدة ربما كان أهمها هو استمرار نمط الإقتصاد الخدمي بالإضافة إلى أن التَبَدُل البنيوي في التركيبة الإجتماعية الذي فرضه واقع قوانين الإصلاح الزراعي الجديد لم تكن قد إتضحت أبعادُ تأثيراته بعد.

لم يكن هناك من مفرٍ –إذن- من أن تدخل الدولة علي الخط، فكان التأميم في ١٩٦١ لأجل توفير موارد للتنمية المستقلة ،وإن شابَ تطبيقه بعض المثالب، لكنه تواكب مع البدء في أول خطة خمسية شهدها تاريخ مصر الحديث والتي توافرت لها عوامل النجاح بفضل زخمٍ سياسيٍ ارتبط بظرفٍ عالمي استثنائي وبرسمِ ظلٍ ممدود لحركة تحررية شملت معظم أركان الكوكب.

لم يكن ما سبق بيانه تقييماً للإقتصاد "الناصري" ولا ينبغي أن يكون، فهو أمرٌ يستوجب مُجلداتٍ ومجلدات، لكنه كان مجردُ دليلٍ علي أن الرأسمالية المصرية بروحها الطبقية الواضحة وملامحها الكمبرادورية الظاهرة لم تسهم علي مدار التاريخ المعاصر في صنع أي تقدم علي طريق "التنمية الحقيقية" التي ينتج عنها "إستقلالاً وطنياً" عدا الومضة الزمنية لمعجزةِ "طلعت باشا حرب"، ذلك الرجل الاستثنائي الذي لم يكن يتمتع بأي جذور بورجوازية ولا إقطاعية تحول بينه وبين إبداعِ تجربةٍ فريدةٍ أجهضها الاستعمار ووكلائه المحليين كعادتهم التي لا تنقطع والتي يستخدمون فيها كافة حِيلِ الرأسمالية وقدرتها علي مرونة المناورة التي تصل في بعض الأحيان إلى قبول تطبيقات شِبه "اشتراكية" لأجل إنقاذ إمبراطورية المال علي حساب الفقراء.

وليس ما قامت به الإدارة الأمريكية من تأميمات "مؤقتة" إثر أزمة ٢٠٠٨ عنا ببعيد، حيث تَحَمَلَ دافع الضرائب الأمريكي البسيط ثمن حماقات وخطايا كبار الرأسماليين وتابعيهم من الرؤساء التنفيذيين وأعضاء مجالس الإدارات وكبار موظفي العديد من إمبراطوريات المال الأمريكية ليتحقق قولُ حِكمةٍ آخر لكبيرنا الدكتور "سمير أمين" بأن "الرأسمالية تُخصخص الأرباح و تُعَمِم الخسائر"، إذ استفادت قِلةٌ من أصحاب رؤوس الأموال من أرباح تلك الإمبراطوريات في أوقات رواجها بينما تَحَمَلَ المجتمع الأمريكي كله خسائرها لأجل الحيلولة دون زوال صرح الرأسمالية الذي كان علي حافةِ هاويةِ الانهيار العظيم.

لم تختلف الهيئةُ الرثة للرأسمالية المصرية فيما قبل ١٩٥٥ عن الآن في شيئ بل ربما ازدادت سوءاً علي سوءٍ في ظل غياب شبه كامل للدولة المصرية، لا عن التحكم في الأسعار لصالح الفقراء بأبجدياتِ آلياتٍ يعرفها المبتدئون وفقط، بل حتي عن مجرد الرقابة المباشرة علي الأسواق.. اقتصادٌ لا "تنمية" فيه يقوده القطاع الخاص الذي لا هَم له سوي تحقيق مزيد من الربح الوفير/المنتظم/السريع الذي لا يتولد إلا من خلال نمطٍ خدمي لا يعرف للإنتاج أي فضل.. مالٌ يلدُ مالاً بلا قيمة مضافة.. ارتباط وثيق بالخارج من خلال استيراد سفيه يتم التعامل معه بالقفز في فراغِ المجهول.. ندرة في العملات الأجنبية بسبب تردي السياحة وهروب الاستثمارات الأجنبية المباشرة FDI's (مع عظيمِ تحفظي علي انعكاساتها السلبية التي تُرسخ مزيداً من الهشاشة الاقتصادية والتبعية السياسية).. عجزٌ مُريعٌ في ميزان المدفوعات وآخرُ فادحٌ في الموازنة العامة.. تدهورٌ في الناتج القومي.. ديونٌ كالجبال تجثم علي صدور وكواهل أجيال لم تَرَ النور بعد، ثم يحدثونك عن تسهيلاتٍ للقطاع الخاص تبدأ بمزايا ضريبية وإعفاءاتٍ جمركية ولا تنتهي بمنح أراضٍ بالمجان في استمرارٍ بائسٍ لكوارثِ ماضٍ قريب. تلك هي رأسماليتنا الرثة وهذه هي أحوالنا التَعِسةُ التي لا تَسُرُ الناظرين. 

التعليقات
press-day.png