رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: «بيتهوفن» في نقابة الصحفيين

"فلننصت في تأملٍ وخشوع إلي هذه الرُباعية الوترية، إلي عملٍ من الأعمال الشامخة في دنيا الموسيقى، لنسمع وصية فنانٍ عظيم للأجيال المُتعاقبة، إنه يوصينا بالتجلُد و الصبر، و يملأ نفوسنا إيماناً بالخير و تعلُقاً بالجهاد"..

هكذا تحدث "السندباد حسين فوزي" رَحِمهُ الله عن الرُباعية الوترية الرابعة عشرة لجبارِ الموسيقى الخالد "لودفيج فان بيتهوفن" التي كتبها قبل وفاته بعامٍ واحدٍ تقريباً زي بعدما تمكن منه الصمم تماماً فأحال حياته جحيماً يُستعصى إحتمالُه، إذ ضاق صدره و ساءت طباعه فانصرف عنه أصدقاءه و الأحبة. حين تُنصت في خشوعٍ مُستمِعاً لتلك الرُباعية، التي يعزفها أربعُ عازفين علي آلتي كمان و فيولا (آلة كمان صغيرة) و تشيللو، فأنت تشعر بروح "بيتهوفن" في الخلفية.. تكادُ أن تراه مُنكَباً علي النوتة مُكتئِباً مُثقلاً بهمومِ حياةٍ شارفت علي النهاية يكتب ما يشعر به من ألحان لا يسمعها..تتصاعد بك ألحان الرُباعية حركة تلو الأخري.. بدايةٌ حَزينةٌ تتلاشي تدريجياً علي وقعِ لحنٍ متفائلٍ بعض الشيئ لكن يظلُ الحزنُ المُبتئس في روح اللحن كامنٌ كأنه يأبي الهزيمة أمام الفرح الشحيح الذي يروح ويجيئ مُقاوماً بعناءٍ شديد في صراعٍ مع الألم و المعاناة ليختتم صاحبنا - وهو المُتَمكنُ من أدواته في الإرتقاء بلا عناءٍ من قاع الشجن إلي قمة البهجة- هذه الرُباعية بحالة مُدهشةٍ من بريقِ مرحٍ رافضٍ لطغيانِ كآبات البؤس والشقاء مُنتصراً في تحدٍ لكل قيم سعادة الروح.

بعد مُشاركتي في "يومِ الحُرية" بنقابة الصحفيين ظهر الخميس ١١فبراير.. (لم أسعد بلُقيا أصدقائي من أبناء "التحرير" قدرَ سعادتي بإمرأتين من مصر: "مها المكاوي و "مني مينا")، عُدتُ إلي منزلي فأدَرتُ مؤشر الموسيقي مُستدعياً روح صاحبنا..عبثت أناملي بالجهاز بحثاً عن تلك الرُباعية..إستسلمت بكل حواسي للتجلي البيتهوفيني المُبهر..أغمضتُ عيناي و أطلقتُ لمشاعري و أفكاري العنان..ما أشبه رحلتنا بالرُباعية المُدهشة..

يالها من رحلة.."١١ فبراير ٢٠١١-١١ فبراير ٢٠١٦"..خمس سنواتٍ تكثفت بداخل أعماقِ النفس فيما يقرب من الأربعين دقيقة من موسيقي صاحبنا..صراعٌ بين عذاباتِ همومٍ تأبي أن تغادرنا و نعيمِ فرحٍ طفوليٍ ضَنين. أدَرتُ المؤشر ثانيةً صوب حالةِ تَجَلٍ بيتهوفيني أخري تمنيتها و مازلت أرجوها لتكون خاتماً لعذابات السنوات الخمس..نهاية الحركة الأخيرة من السيمفونية التاسعة لصاحبنا..لحنٌ ليس بأرضِيٍ أبداً لكنه -في ذات الوقت- مُغرقٌ في إنسانيته ينتهي بأبيات "نشيدِ الفرح" لعظيمٍ ألمانيٍ آخر "يوهان كريستوف فريدريش شيلر":

"ليحتضن البشرُ بعضهم بعضاً

و هذه قُبلةٌ أرسلها للناس جميعاً

أيها الملايين، إسجدوا لربكم الذي خلقكم

و مِيدي أيتها الأرضُ أمام ربك

إننا نسأله جميعاً الرحمة و الغفران

يا جذوة الفرح، يا إبنة وادي السعادة، يا إبنة ماءِ السماء

نحن نريد قُدسُك، نتلظي بنشوةِ حُمياكِ

فيا أيها الفرحُ العُلوي

ضُمَ شملَ من فَرَقتهُم الأحداث

فالناسُ جميعهم إخوة تُظلهم بجناحك"

كانت رُوحُ "بيتهوفن" تُظللني بنقابة الصحفيين بين حُزنِ الرُباعية الذي مازال مُقيماً و بين نشيدِ فَرحِ خَاتمِ السيمفونية الآتي بلا مراءٍ رغم جبروتِ الأيامِ السوداء، فيا أيها الفرحُ العُلوي، ضُمَ شملَ من فَرَقَتهُم الأحداث.

التعليقات
press-day.png