رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

د. منى مينا تكتب عن : أخطاء الأطباء

 

تنتشر حاليا و في كل وسائل الإعلام المكتوبة و المسموعة و المرئية قصص عن "أخطاء الأطباء" ...

للأسف القصص فيها الكثير من الإفتعال و عدم الدقة ، مثل قصة المرضى الذين أصيبوا بالعمى لحقنهم بمادة محرمة دوليا "الأفاستن" و للأسف تم إيقاف الأطباء و تحويلهم لنيابة و التشهير بهم ..ثم إتضح أن المادة غير محرمة دوليا ..و تستخدم في كل الدول الأوروبية .. و شهد بذلك العديد من أساتذة الرمد .. و رغم ذلك لم تقدم القنوات التي تطاولت على الأطباء أي تصحيح أو إعتذار ...

و لكن هل معنى كلامي أنه لا توجد "أخطاء طبية" و لا يوجد "إهمال طبي" ؟؟؟ بالطبع لا ...

الحقيقة المؤلمة أن مشاكل "الأخطاء و الإهمال الطبي" أكثر بكثير حتى مما كل ما يتصيده الإعلام ...

و لكنها مشاكل تحتاج لتحليل و فهم و علاج .. هذا إذا كنا بالفعل نهتم بالمواطن و المريض المصري الذي تتباكي عليه وسائل الإعلام ..

مثلا مشكلة العمى الذي أصاب عدد من المرضى برمد طنطا ، اتضح أنها نتيجة لإصابته المرضى بإلتهابات داخل العين بعد الحقن ، إذن المشكلة في إجراءات التعقيم و دقة المتابعة لكل ما يتعلق بمكافحة العدوى بالمستشفى ، هنا يتضح أن وقف الأطباء ، و تحويلهم للنيابة ، و حملة التشويه الضارية ضدهم ، لن تحل المشكلة ، و من الممكن جدا أن يصاب مرضى أخرون بنفس المضاعفات ، طالما لم نكشف السبب الحقيقي لإصابة المرضى بالعمى و بالتالي لم نأخذ أي إجراءات لتصحيح الخطأ و تلافي تكرار المشكلة ..

و لأننا لا نريد أن نعيد "إختراع العجلة" دعونا نرى ماذا تفعل الدول التي تحترم فعلا "حق مواطنيها في الصحة" عندما ينخفض أداء مستشفى معينة  ، أو تزيد نسب المضاعفات بقسم معين عن النسب العالمية المقبولة؟؟؟

في إنجلنترا مثلا ، عند زيادة نسب المضاعفات بقسم معين ، تنتقل لجنة للتحقيق ، لتبحث أسباب إنخفاض الأداء أو زيادة المضاعفات ، هل هي وجود مصدر مستمر للعدوى ؟؟أم نقص إجراءات مكافحة العدوى ؟؟ أم المشكلة في المستوى المهاري للأطباء أو التمريض أو الفنيين هناك؟؟؟ مما يستلزم دورات تدريبية لتصحيح الوضع ؟؟ أم المشكلة في أوقات عمل أطول من المقبول للأطباء و الفريق الطبي مما يتسبب في عملهم بتركيز ضعيف في أخر فترة النوبتجية ؟؟؟ أم المشكلة في إدارة غير كفء مما يؤدي لعدم وجود تنسيق بين أقسام مختلفة ؟؟ و طبعا تنتهي اللجنة بتقرير واضح و بتوصيات محددة لحل الأزمة ، و بالتأكيد إذا رصد التحقيق تجاوز من أي من أعضاء الفريق الطبي في حق المرضى يتم تحويله للتحقيق و توقيع العقوبة المناسبة ..

أما في بلادنا الحبيبة ، فنحن لا نوفر أسرة كافية للعناية المركزة ، و لا نوفر حضانات كافية ، و لا نوفر الأدوية و لا المستلزمات الضرورية لتشغيل المستشفيات ، و يدخل الأطباء في تشاحن دائم مع المرضى عند طلب شراء هذه الأدوية و المستلزمات من خارج المستشفى ، و لا نوفر نظام محدد لتحويل المرضى اللذين لا يجدون مكان لهم ، و لا نوفر أقل مقتضيات مكافحة العدوى و لا حتى أقل مقتضيات النظافة العادية في أغلب مستشفياتنا ، و لا نوفر "خطوط علاجية إلزامية موحدة " لكل تخصص ، تساعد أطباءه على الإلتزام بخطة علاجية محددة تكون مستلزماتها متوفرة بالمستشفى ، و لا نوفر خطة لتحويل المرضى من مستشفى لأخرى عند الضرورة و لا نوفر أي وسيلة لتحديث المستوى العلمي و المهاري للأطباء و باقي أعضاء الفريق الطبي ، يكفي هنا أن نذكر أن أحد أخطر مشاكل الأطباء التي تحاول النقابة حلها دون جدوى منذ سنوات ، هي مشكلة عدم وجود فرص دراسات عليا لحوالي نصف عدد الأطباء الطالبين للدراسات العليا كل عام ، و بدلا من حل المشاكل الحيوية لعدم وجود فرص للدراسة و التدريب للأطباء ، نجد قرار من رئيس الوزراء بإنشاء "هيئة التدريب الإلزامي" التي تحول التدريب و الدراسات العليا للأطباء ، لسبوبة للجمعيات العلمية وخصخصة الدراسات العليا ، مع عدم وجود أي إجراءات لتحسين مستوى التدريب في فترة الإمتياز و في المستشفيات الحكومية عامة ..... و بعد ذلك نتعجب من إنتشار "الأخطاء الطبية" !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

بإختصار الأخطاء الطبية و الإهمال الطبي كارثة حقيقية متفشية في مستشفياتنا ، لا أحاول و لم تحاول النقابة سابقا أن تنكرها ، و هي نتيجة حتمية لظروف العجز و الفوضى و التخبط الشديد الذي تعاني منه أغلب مستشفياتنا ، و التي بحت أصواتنا و نحن نطالب بإجراءات محددة للبدء في إصلاحها .

السؤال هو.. هل يتم فتح ملف الأخطاء الطبية حاليا في الأعلام ، بهدف فهم أسبابها و بحث كيفية علاج هذه الأسباب حرصا على مصلحة المرضى ؟؟؟ أم يفتح هذا الملف كنوع من الإبتزاز للأطباء كلما تجرأوا على رفع صوتهم للمطالبة بحق من حقوقهم المهدرة ؟؟؟؟  سؤال أخر .. هل التشهير بالأطباء أو حتى إحالة أوراق البعض منهم لفضيلة المفتي ، يمكن أن يحسن من أداء مستشفياتنا الغارقة -رغما عنا- في الفوضى و العجز و القذارة ؟؟؟ أم أن تحسين الأداء يقتضي أولا توفير الإمكانيات و التدريب و النظافة و النظام الدقيق ، ثم بالتأكيد محاسبة المخطئ الذي لا يلتزم بأداء واجبه .. عندما يصبح هناك إمكانية فعلية لأداء هذا الواجب ...

التعليقات
press-day.png