رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: الأُنشُودةُ الثَالِثة

أيها الداخلون، إطرحوا عنكم كل أمل.

ما هذا الذي أسمع، و من هؤلاء القوم الذين يبدون و قد غلبهم الألم هكذا؟

هنا الطريق إلي مدينة العذاب، هنا الطريق إلي الألم الأبدي، هنا الطريق إلي القوم الهالكين..هذه الصورة البائسة، تتخذها النفوس التعسة لأولئك الذين فقدوا صوابَ العقل فعاشوا دون خزيٍ أو ثناء..طردتهم السماء كي لا ينقص جمالها، و لا تقبلهم الجحيم العميقة حتي لا يُحرزُ الآثمون عليهم بعض الفخر..حياتهم العمياء شديدة الضعة فهم يحسدون كل المصائر الأخري، لا يدع العالم لهم ذِكرا،ً و تحتقرهم الرحمة و العدالة، ليس لهؤلاء في الموت من أمل.

كان هذا هو مبدأُ الحوار و مَدخلُ الرحلة الغرائبية حين إلتقي الشاعر الإيطالي "دانتي أليجييري" مع أستاذِهِ شاعر اللاتين الأعظم و رفيق رحلته "فيرجيليو" عند عَتبةِ بوابةِ الجحيم في رائعته "الكوميديا الإلهية" التي تتألف من ثلاث أجزاء: الجحيم، و المطهر، و الفردوس.

في الأنشودة الأولي من "الجحيم" لقاءٌ للشاعر مع أستاذه، و في الثانية تأهيلٌ للرحلة التي تبدأ مُقدماتها في الأنشودة الثالثة بهذا الحوار البديع حين يري "دانتي" زُمرةً من الناس يُهرولون بَاكينَ صارخين عُراةً حفاةً تلدغهم حشرات بشعةُ المنظر فيختلط دمهم بالدموع مُراقاً علي أرضِ أوسعِ دوائرِ الجحيمِ لتلتهمه ديدانٌ كريهةٌ مُزعجة عند أقدامهم. يمضي "دانتي" إلي جوار رفيق رحلته "فيرجيليو" ليقابلا "كارون" الشيطان أول حُراسِ الجحيم ليعبر بهما نهر "أكيرونتي" لتبدأ أحداثُ "الكوميديا"، فيمر صاحبنا بالمُعَذبين من الزُناة و الشَرِهِين و البخلاء و المُبذرين و سريعي الغضب و المُرابين و الحاسدين و السَحَرة و المُرتشين و اللصوص و الكاذبين و المُنافقين و مُرتكبي العنف و الخونة..يأخذك "دانتي" إلي "الجحيم" عبر أربع و ثلاثين إنشودة في رحلةٍ "شِبه لاهوتيةٍ" قاتمةٍ إمتزج فيها بعضٌ من وَحي "أبو العلاء" بالميثولوجيا اليونانية، فيروي عذابات كل هؤلاء لتنتهي رحلة "الجحيم" عند المركز حيث يقبع "لوتشيفيرو" الشيطان الأكبر مُصَفَدَاً بالأغلال بعدما تولي بنفسه عقاب أعظم خونة التاريخ: "يهوذا، و بروتس، و كاسياس".

 تُبهرُكَ روعة تصاوير "دانتي" الشعرية لحالاتِ هؤلاء المُعَذبين، قد تكرههم و ربما ترثي لحالِهم، قد تلعنهم و ربما تتعاطف معهم فهُم -مثلك- من بني البشر لهم ما لك من مشاعرِ خير و لو ضئيلة، و عليهم ما عليك من خطايا و لو هائلة (لا شخصية أُحادية أبداً حتي لدي أعتي عُتاةُ الخاطئين) ، لكنك –مع ذلك- تمضي معه مُتَقبِلاً بنفس راضية وجوب العقاب إلهياً كان أم بشرياً حسبما تري و تعتقد. أما ما لا يمكنك أن تمضي فيه مع "دانتي" بلا تأملٍ عميق فهو حديثُ أصحاب الأنشودة الثالثة..هؤلاء الذين لم تكن لهم في الدنيا شجاعة سلوكِ طريق الصواب أو الخطيئة..هم لم يطيعوا الرب و لم يعصوه..لم يعملوا في دنياهم سوي لمصلحتهم الذاتية، فلم ينالوا ثناءاً و لا خِزياً..لم يجدوا إلي الفِردَوسِ سبيلاً حيث لم يكونوا أبداً أخياراً و مُنِعوا -في ذات الوقت- من المُضيِ صوب جهنم وفق تصنيفاتٍ أرقَي للمُذنِبين..طردتهم السماءَ و لم تقبلهم الجحيم فظلوا علي بوابتها عالقين مُحتَقَرين مُتهافتين يحسدون الناس علي الخير و علي الشر..هُم من إختاروا البقاء بالمنطقة الوُسطي..باهِتون بلا ملامح..مُحجِمونَ عن فِعل المشاركة سلباً أو إيجابا..مُمتنعون عن ممارسة إختيار الإثم أو الطُهر..مُحايدون في وقت لا ينبغي فيه سوي الإنحياز.

"إذا كان العالم الحالي مُنحرفاً و ضالاً، فأبحثوا عن السبب في أنفسكم"..هكذا تحدث "إلينا" منذ ما يزيد عن السبعمائة عام عظيم إيطاليا "دانتي أليجييري".

 

التعليقات
press-day.png