رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : السُلطانُ الحَائِر

بعدما وضعت حرب السخرية أوزارها، وانتهي أصحابُ النفاقِ والمبررون من ممارسة الطقس المُحبب لديهم، قررت أن أرفع عن نفسي ثِقَلَ الصمت الذي لا يليقُ في مثل هذه الأحوال. ما أن نطق بها الرجل إلا وقد انفتحت بوابات هَزلِ الهازلين البديعة عبقريةُ التلقائية من ناحية، واستجمعت جموع المُطبِلين قواها من ناحيةٍ أخري لتدق الطبول بأصواتِ ضوضاءٍ عالية إمتزجت بِنشاز أصحاب المزمار من المُبرِرين ليبدأ حفلُ "زارٍ" فريد في نوعه لكننا إعتدنا عليه وسط حالةِ صخبٍ يقف فيها علي حافة الجنون كل صاحب عقلٍ إستطاع أن يحتفظ برأسه سليماً بين كتفيه. في هكذا مناخ مُضطرب تغيم الرؤية وسط غبار السخرية، وتضيع الحقيقة علي وقع دقات طبول حفل الزار الجوفاء. بعيدٌ أنا عن فريقِ المُطبلِين و أصحاب المزمار بُعدَ التحريم، لكني لم أجد بنفسي في ذات الوقت أي رغبة في الإنضمامِ إلي فريقِ الساخرين فالأمرُ مريرٌ شديد الإيلام علي قدرِ ما توافر له من عوامل الهزل المغري بالمشاركة، فآثرتُ الصمت المؤقت حتي ينقشع الغبار و يهدأ الصخب إلتماساً لقليلٍ من صفاء الرؤية.

مِن "تُؤَمم الشركة العالمية لقناة السويس، شركة مساهمة مصرية"، ل "فأَفقَدِت العدو توازنه في سِتِ ساعات"، ل "يا راجل كبر مُخك، خليهم يتسلوا" لنصل أخيراً إلي "و الله العظيم، أنا لو أنفع أتباع، أتباع". لم أقف أمام أي من تعابير الحاكم العديدة -علي خطورة بعضها البالغة-  في خطاب ٢٤ فبراير ٢٠١٦ الذي لن ينساه "لنا" التاريخ و الذي لا ينبغي لنا "نحن" أن ننساه، مثلما ما وقفت أمام هذا التعبير..حاكم مصر، و ما أدراك ما "مصر"، يقول بمنتهي الجدية التي لا يجوز معها سوي نفس القَدر من جدية التعليق مُقسماً بأغلظ الأيمان: "أنا لو أنفع أتباع، أتباع". حين نطق الرجل عبارته تذكرت علي الفور مسرحية للمرحوم "توفيق الحكيم" كان قد كتبها عام ١٩٦٠ و أذنتُ لنفسي أن أضع عنوانها علي رأس هذا المقال. تروي المسرحية أنه قد تبين أن أحد سلاطين المماليك مات سيده قبل أن يعلن أنه قد أعتقه، و لما كان القانون لا يُجيز أن يحكم البلاد عبدٌ، فقد وقف السلطان حائراً بين أن يفرض مُلكه بحد السيف بإعتباره مُغتصباً للحكم حيث فقد شرط بقاءه علي العرش و هو أن يكون حُراً، أو أن يتنازل عن الحُكمِ -طوعاً- إحتراماً منه للقانون. تفتق ذهن قاضي قضاة السلطان عن حلِ وَسَطٍ بديل يضمن للسلطان مُلكه و في نفس الوقت لا يُهدر القانون..كان الحل هو أن يعرض السلطان نفسه للبيع علي أن يتم الإتفاق مع من يشتريه علي عِتقِه في اليوم التالي فيعود للمُلك مصحوباً بشرعية القانون، و قد كان..تبدأ أحداث الملهاة، فهذا بائعُ خمر يرغب في شراء السلطان تسويقاً لبضاعته، و هذا طفلٌ يطلب من أمه أن تشتري السلطان كي يلعب به و معه لينتهي الأمر و قد إشترت السلطان غانية تم الإتفاق معها علي بيعه عند أذان الفجر ليقوم قاضي القضاة -إنقاذاً للسلطان- "بتبكير" ميعاد الأذان في تدليسٍ تاريخي مُعتاد..أعتقته الغانية بعد الأذان الأكذوبة فنفحها السلطان و قد صار حراً ياقوتةً كبري كانت تُزين عمامته ليصير رمز السلطنة مِلكاً لغانية.

عودٌ علي بدء.."و الله العظيم، أنا لو أنفع أتباع، أتباع"..حرف "لو"  هنا هو حرف امتناع لإمتناع، فيرتبط بموجبه التابع بالمتبوع بما يعني أنه -في حالتنا- إن كانت هناك إمكانيةٌ لبيع الحاكم فسيحدث، ولما كان بيعه أمراً مستحيلاً فهو بالتبعية لن يحدث..ما تعبير الحاكم إذن سوي رؤية مجازية تعكس تقديره لحجم الأزمة التي يمر بها نظامه و تصوراته العامة لحل مشكلات البلاد الإقتصادية بدءاً من صندوق تحيا مصر، و مروراً بتفريعة القناة و ما أُنفق عليها من أموال دون إطلاع المجتمع علي خططها و دراسات جدواها، فتعويم الجنيه المصري و غلاء المعيشة و تدهور إحتياطي العملة الأجنبية و تزايد عجز الموازنة و إنخفاض الناتج القومي، ثم الإقتراض بلا حدود، فالإعراب بمنتهي الصراحة عن نية بيع ما تبقي من وحدات إنتاجية ناجحة بقطاعات البنوك و التأمين و البترول إلي أن وصلنا إلي......"أنا لو أنفع أتباع، أتباع" وقانا الله و إياكم شر البيع.

التعليقات
press-day.png