رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

خالد البلشي يكتب: لماذا يجب علينا ألا نسمع كلام السيسي؟

(1)

في مسرحية تخاريف لـ محمد صبحي.. يحكي «جميل الجرسون» طويل الأنف، «والذي كان محمد صبحي يلعب دوره» مشهد استدراج سيدة له حتى غرفتها، بينما كان رد فعله على جميع تصرفاتها « قلت يا واد طنث خالص» .. نفس رد الفعل يتكرر مع كل خطوة لاستدراجه، بدءا من إشارتها له، ثم إدخاله الغرفة، وحتى دفعها له على السرير، ثم خلعها عنه ملابسه قطعة قطعة.. بينما هو لا يبدي أي حركة، أو رد فعل، إلا عبارة واحدة «قلت يا واد طنث خالص».

وفي النهاية، وبعد أن خلعت السيدة عنه جميع ملابسه.. كان نصيبه أنها نادت ابنها الصغير وقالت له «لو ما سمعتش الكلام وشربت اللبن هتبقى زي عمو الجرسون».

استدعائي لهذا المشهد ليس له علاقة بأي صورة من الصور، بخطاب الرئيس الأخير، ولا بردود الأفعال عليه، ولا حتى بما سبقه من أحداث، وأي محاولة لوضع أي طرف محل جميل الجرسون، أو حتى مطالبة أي طرف بشرب اللبن لست مسئولا عنها. 

(2)

بعيدا عن السخرية من خطاب الرئيس، التي ملأت مواقع التواصل الإجتماعي، وهي في حد ذاتها شيء لابد من التوقف أمامه بالتحليل، ورسالة واضحة لكل ذي عقل، إنه لا حصانة لمنصب، ولا قداسة لمؤسسة، ما لم يلبي القائم عليها طموحات الناس ويؤدي الدور المنوط به.. بعيدا عما جرى ورسائله وهي في جانب كبير منها إيجابية، وبعد أن هدأت عاصفة ردود الأفعال على الخطاب فإن السمة البارزة لعدد كبير من التعليقات كان الانزعاج من نبرة الرئيس السيسي في خطابه الأخير، ودعوته المتكررة للمصريين، ألا يسمعوا كلام أحد غيره، وربطه بين حب مصر وسماع المصريين لكلامه « بتحبوا مصر صحيح.. اسمعوا كلامي أنا بس.. اسمعوا كلامي أنا بس»..

وتهديداته وتحذيراته لمن اعتبر أنهم يريدون إسقاط الدولة بأنه هيشيلهم من على وش الأرض « أنتم مين.. اسكتوا.. أقسم بالله اللي هيقرب لمصر هشيله من على وش الأرض»...

ومطالبته الواضحة للجميع بألا يروا إلا الإيجابيات لتعزيز بقاء الدولة – باعتبار أنه الممثل الرسمي الوحيد للدولة.. وطبعا الوحيد الذي يعرف الصح حتى لو رأى البعض أنه لايفعله -  «سيبوا اللي مش جيد.. ومحتاجين نبص على النص المليان فقط.. محتاجين نعزز بقاءنا»..

ووصولا للمشهد الأخير بانزعاجه من الهجوم على حكومته – باعتبارها طبعا حكومته، وهو حر فيها -  «انتوا هتعرفوا الحكومة أكتر مني.. دي حكومة كويسة وباقعد معاهم كل يوم».. ومرورا باستكمال رؤية الرئيس - الذي خرج يوما ليبشرنا بالتنازل عن نصف راتبه من أجل مصر-  لما يراه دولته المنشودة، وطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم فيها قائلا «همه بياخدوا إيه عشان يستحملوكم»، وانتهاءًا إلى «انتو فاكرين أن هسيبها ولا إيه».

وكأن ثمن أن الرئيس ما يسبهاش، أو أن حكومة سيادته تمرمط فينا هو أنه تنازل عن جزء من راتبه، – كما قال لنا - أو أن حكومته بتاخد إيه، - على حد تعبيره - بدليل إنه طالما أكد قبلها أنه لن يبقى دقيقة واحدة لو خرج الشعب لمطالبته بالرحيل، ثم عاد اليوم ليؤكد انه مش هيسيبها... وهو ما يدفعنا - بعيدا عن إنزعاج البعض -  لمطالبة سيادته باستعادة ما قال انه تبرع به من راتبه، مقابل أن يترك لنا حقنا في محاسبته ومحاسبة من أتى بهم لخدمتنا، والذين على رأس مهمتهم أن يستحملونا..  خاصة أنه حتى وإن لم يستعده فإننا سنحاسبه، ونحاسبهم فهذا حقنا الدستوري. ( لن أتكلم عن تجارب السنوات الماضية)

(3)

السؤال الذي روادني مع حالة الإنزعاج الشديد على المستقبل بعد الخطاب بين أوساط بعينها.. هل ما قاله السيسي جديد عليه؟.. وهل أظهر الرئيس شيء مختلف عما قدم به نفسه للناس منذ إعلانه الترشح للرئاسة، لن أتحدث عن دعوته الناس للخروج من المشهد تماما، والنزول لتفويضه بعد ايام من 30 يونيو؟.. وهل نحن أمام – لا سمح الله - أعراض جديدة لديكتاتورية بدت بوادرها فجأة على الرئيس ونظامه، للحد الذي دفع البعض للانزعاج والخوف على المستقبل؟

دعونا نعود لأول حوار له لإعلان ترشحه.. يومها قدم السيسي المرشح  نفسه منذ اللحظة الأولى كديكتاتور أصيل.. وعاد لمنابع الديكتاتورية النقية.. الديكتاتورية من مصادرها الطبيعية" .. كما وصفتها وقتها في مقال بعنوان «قراءة في حوار السيسي .. أنا الديكتاتور المنتظر».. 

«طوال الجزء الأول من الحوار حرص السيسي على تأكيد معنى واحد "أنا المستبد المنتظر".. ولم ينشغل بكل القطاعات المطالبة بالديمقراطية وبمزيد من الحريات ولم ينشغل بتوجيه أية رسائل إليهم.. بل كان حريصا على تكريس صورة واحدة أن الرأي رأيه والكلمة كلمته والباقي رتوش تكمل الصورة.. وأنه سيكون رجل دولة حازم وقوي وديكتاتور ايضا إن اقتضت الظروف، متجاوزا أكثر من ثلاث أعوام من الخروج للمطالبة بالحرية والديمقراطية والكرامة الانسانية.. ومرسخا الحديث عن أن هذه المطالبات هي التي أوصلتنا لما نحن فيه الآن وليس ميراث 40 عاما من الفساد والديكتاتورية والتبعية للآخر».

فهل جد جديد كل ما فعله الرجل أنه أسفر بشكل كامل عن وجهه ووجه نظامه ورؤيته له.

هل هناك فارق كبير بين ما قاله السيسي المرشح في حواره يومها، " القائد العام يخطر ولا يستأذن " في رده على سؤال حول استئذانه للجيش في أمور ترشحه.. وبين ما قاله اليوم «ما تسمعوش كلام حد غيري أو اسمعوا كلامي أنا بس».. وهل هناك فارق بين ما قاله وقتها في رده على سؤال عن الذين استشارهم للترشح ليرد بشكل واضح أنها «أسرته».. ثم أردف  « لكن في أمور الوطن لا يجوز الركون لمخاوف الأسرة» .. وقوله وقتها أيضا «إنه لن يسمح بهدم الدولة بالتظاهر ولا بتعديل قانون التظاهر.. وكلامه لمحاوره يومها كذلك «لن أسمح لك بقول كلمة عسكر مرة أخرى».. وبين قوله اليوم « أنتم مين.. اسكتوا.. أقسم بالله اللي هيقرب لمصر هشيله من على وش الأرض» وصولا إلى «انه مش هيسبها.. انتوا مين.. انتوا مين».

بعيدا عن الخطاب الأخير والحوار الأول فهل هناك فارق بين كل ذلك وبين ما قاله السيسي قبل شهور تعليقا على عتاب رقيق من أحد الإعلاميين المقربين له كان موجها لرجاله وليس له «مايصحش كدة إحنا بنتجاوز كل حاجة، الأمر دة لا يليق، مايصحش كدة، انتو بتعذبوني أن أنا جيت وقفت هنا.. الواحد بيحس إن الناس لا هي عارفة ولا فاهمة أي حاجة في الدنيا، بس قدامي ميكروفون بتكلم فيه أو جرنال بكتب فيه، لا يا جماعة دي دولة هتضيع مننا كدة، بالطريقة دي إحنا بننشر جهل وعدم وعي حقيقي بين الناس». مقال «أوقفوا تعذيب الرئيس» 

الفارق الوحيد من وجهة نظري ليس فقط علامات الغضب التي حاول الرئيس رسمها طوال الحوار في تحذير لمستمعيه، بل أن الفارق في إدراك قطاع أوسع من المواطنين لفشل هذه السياسات، وشعورهم بهذا الفشل، ودفع قطاعات أكثر اتساعا ثمنه سياسيا و اقتصاديا واجتماعيا، وإدراكهم إن معادلة الصمت مقابل الأمن، انتظار لرخاء ربما يأتي صارت فاشلة باقتدار.. فلا رخاء جاء ولا أمن تحقق، أما الصمت فلم يدفع ثمنه «أهل الشر» كما كان يسميهم الرئيس، بل دفعوا هم ثمنه من قوتهم، وحريتهم، بل وأعمارهم وأعمار أبنائهم، في السجون والأقسام بل وعلى قارعة الطريق، وبدلا من أن يخرج الرئيس للاعتذار عما جرى في «المطرية والدرب الأحمر» أو عن سنوات سرقها رجاله من أعمار الآلاف في سجونه قرر مواصلة طريق الديكتاتورية الخالص حتى ولو فقد غطاء العدالة المنتظرة و الإكتفاء بـ تصدير حالة «الغضب والتهديد والوعيد» في وجوهنا جميعا خلال الخطاب.

 (4)

لماذا علينا ألا نسمع كلام السيسي؟

بعيدا عن أن الواجب الدستوري للرئيس أن يسمع كلام الشعب، ويلبي طموحاته، وليس العكس، لكن السؤال هل يجب علينا أن نسمع كلام السيسي ؟..

 الإجابة على السؤال ربما لا تقف عند وعود السيسي التي لم تتحقق سواء فيما يخص الأمن والآمان، الذي لم يأت، ولكن حتى فيما يخص البنية التحتية أو الكباري - على طريقة المخلوع مبارك -  بدءا من شبكة الطرق التي قال انه سيتم إنجازها في عام، ولم تنجز، وحتى مشروع المليون وحدة سكنية الذي تضاءل إلى أقل من 10% منه، بينما استبدل الرئيس الباقي بسجادة حمراء 4 كيلومترات تدوس عليها سيارته ، وصولا إلى العديد من مشروعات الفنكوش، لن أتكلم طبعا عن مشروع «العلاج بالكفتة»، وكل مشروعات الكفتة .. بل سأتوقف أمام عجز نظام الحكم حتى عن استغلال الالتفاف على مشروع توسعة قناة السويس، وتوفير أكثر من 60 مليار جنيه في أقل من 10 أيام، وتحويل هذا الالتفاف إلى فعل منتج، عبر انحيازات واضحة للطبقات التي قررت مساندة الدولة، بل أن السيسي ونظامه واصلوا إعادة انتاج نفس الانحيازات القديمة، باستغلال أموال من ضحوا في كل وقت، لصالح من ربحوا دائما ووقت الاحتياج لهم خذلوا الدولة في كل محاولتها للاقتراب منهم.. كل ما فعلته حكومة السيسي إنها اكتفت بتعديل المسار قليلا لتدخل مؤسساتها على خط الربح، بعد ان دخلت حكومة السيسي وهيئاتها على الخط كمقاول أنفار من الباطن، يعيد توظيف الأموال التي تم جمعها من كد وعرق الآلاف وتحويشة عمرهم لصالح نفس الطبقات القديمة رغم الاتهامات الموجهة لها ورغم خذلانها المستمر له .. طبعا لن أتكلم هنا عن جدوى مشروع توسعة القناة نفسه في الوقت الحالي. أو جدوى توجيه كل هذا الكم من الاستثمارات للمشروع حاليا.

ونتيجة لإعادة انتاج نفس الانحيازات القديمة والسياسات القديمة، ولو على حساب من ضحوا، كان أن وقعنا في نفس الهوة القديمة، عبر أزمة اقتصادية طاحنة تجاوز فيها سعر الدولار التسعة جنيهات، بينما تشير توقعات إلى تجاوزه حاجز العشرة جنيهات خلال شهور قليلة، فيما يدفع الثمن عموم المواطنين عبر موجة غلاء طاحنة وتراجع ضخم للقيمة الشرائية للجنيه أكلت معها كل التحسينات الشكلية التي تمت على نظام الأجور.

الأزمة أن نظام السيسي لم يقف عند حد إعادة انتاج نفس السياسات القديمة في مجال الاقتصاد فقط، عبر فتح الباب على اتساعه للاقتصاد الحر والخصخصة والتي وصلت إلى عتبات البنوك، وهو ما لم يجرؤ نظام مبارك على فعله.. بل أنه اختار أن يتواكب ذلك مع إغلاق تام للمجال العام وإعادة انتاج نفس السياسات القديمة عبر قبضة أمنية أشد غلظة وقسوة.. فأغلق الشارع أمام أي محاولات للاعتراض وطارد الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والنقابات المستقلة والاعلام ..بل أن قبضة نظامه الأمنية تجاوزت المعارضين السياسيين والتي تشير التقارير إلى اعتقال عشرات الالاف منهم إلى المواطنيين العاديين بإطلاق يد الأمن في تعذيبهم والقبض عليهم حتى وصل عدد من تم رصد تعرضهم للتعذيب إلى أكثر من 700 شخص خلال العام الماضي فقط – طبقا لتقارير المنظمات الداخلية التي يطاردها بالاغلاق كمركز النديم، أو الخارجية التي تعجز قبضة نظامه عن الوصول إليها..  

حتى الخائفين لم يتركهم النظام على حالهم فبعد أن سعى لمصادرة أحلام من خرجوا يوما «من أجل العيش والحرية والعدالة الاجتماعية» ومحاصرتهم،  فإنه أكمل طريقه بإغلاق الأبواب أمام كل من يحاولون التفكير بطريقة مختلفة، ولو كانوا على جبهته..  وهكذا فإن من خرجوا يوما ضد حكم الإخوان حتى لا يحبس شخص كإسلام البحيري فوجئوا بحبس فاطمة ناعوت وأطفال المنيا معه .. ومن خرجوا يوما حتى لا يصادر رأي مبدع فوجئوا بمحاكمة خياله نفسه وسجن أحمد ناجي.. ومن خرجوا خوفا على هوية رأوا أن الاخوان يريدون مسخها وتغييرها، وفرض رؤية دينية على الجميع، فوجئوا بنظام يزايد على السلفيين والمتشددين ويفرض معايير عسكرية وأبوية للاخلاق والفضيلة.

وواكب ذلك موجة غضب متصاعدة، وإن مازالت تتلمس بعض الأعذار، أما بسبب بقايا خوف لم يتم التخلص منها بالكامل .. أوتذليلا لحجج النظام، وترك الحبل له على غاربه عسى أن يدرك أو يعي. وبدلا من أن يحاول النظام احتواء الغضب والبحث عن مسبباته اختار  نفس الطرق القديمة، في السخرية منه حينا على طريقة حديثه عن السجادة الحمراء، أو في تحمير العين والتهديد والوعيد «هاشيله من على وش الأرض».. دون إدراك لما جرى على الأرض من تغير وهو ما ظهرت بوادره في تحركات عديدةـ ربما توقف البعض أمام ما بدا منها واضحا في نقابة الأطباء والدرب الأحمر لكن ما تحت السطح ربما أشد غضبا وأكثر عمقا.   

(5)

بوادر أمل

بقيت بوادر أخيرة للأمل ليس فقط في من خرجوا للاعتراض هنا أو هناك .. لكن في انتقالات صارت تتصاعد من معسكر المؤيدين إلى خانة الصامتين والمعترضين ولو على استحياء، وفي محاولات على الجانب الآخر لاحتوائهم بدلا من النيل منهم و«الحط عليهم» .. وفي غضب صار لا يتحرج في الإعراب عن نفسه.. وفي إسقاط لهالة القداسة عن كل من يحاول فرض قمع جديد على المطالبين بحريتهم، أو النيل من حلمهم بـ «حرية لا تنفصل عن عدالة يستحقها الجميع»..

وفي تحركات ربما لم تنضج لكنها تبحث لها بشكل متسارع عن مساحات لاعلان موقفها حتى ولو عبر عرائض للتوقيع أو مؤتمرات لتجميع الفرقاء. عن شاب كان يخاف أن يحسب ما يكتبه لصالح من حاولوا يوما سرقة حلمه، فصار يدرك إنه بالحق وحده سينتصر لحلمه بالعدل والحرية ويهزم كل السارقين.

التعليقات
press-day.png