رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب عن تقرير المالية: الذين هُم عن أموالِهِم سَاهُون

"تستهدف الحكومة في سياستها الإقتصادية تحقيق تنمية إقتصادية و إجتماعية شاملة من خلال إدارة متطورة للإقتصاد المصري وصولاً إلي أداء يتماشي مع إمكاناته و طاقاته الكامنة. و ترتكز الحكومة في هذا الأساس علي تحقيق معدلات نمو إقتصادي مرتفعة و مستدامة و قادرة علي تحقيق نقلة نوعية في مستوي معيشة المواطنين و خلق فرص عمل جديدة"..كانت تلك العبارة هي ديباجة الملخص التنفيذي الملحق بالتقرير المالي لشهر يناير 2016 الذي أصدرته وزارة المالية منذ أيام..يالها من ديباجة..تَشعرُ أنك تتأهب لدخولٍ دراميٍ براقٍ و مبهرٍ "لإلياذة-هوميروس"، أو أنك تستمع لإفتتاحيةٍ فخمةٍ و جبارةٍ "لتانهاوزر-فاجنر". ينقلك التقرير من الديباجة مباشرةً إلي سَردِ كيف "تؤمن" الحكومة بأهمية القطاع "الخاص"، ثم دورها في تحسين مناخ الإستثمار و إهتمامها بعقد المؤتمرات الدولية لإشراك القطاع "الخاص" و تعريفه بفرص الإستثمار، ثم مجهوداتها في إطلاق عدد كبير من المشروعات العملاقة (هكذا كُتِبَ بالتقرير)، لتدلف بك الحكومة في تقريرها إلي الأرقام حيث تجد نفسك بعد قليلٍ من الفحص ثم التعمق فالتأمل و كأنك أمام دخولٍ راقصٍ لمسرحيةِ فَارْس علي خشبة أحد مسارح الدرجة الرابعة أو أنك تستمع لفوضي لحنية ضوضائية تُصَمُ بها أُذُناك في إحدي حفلات موسيقي الشارع بعدما كُنتَ علي عتبات "الإلياذة" و "تانهاوزر".

التقرير ضخم، و الجداول كثيرة و الأرقام يصعب تحليلها إلا علي من أُوتِىَ من العلم قدراً معلوماً من ذوي الإختصاص و كان لهُ صَبرٌ و جَلَد..ليس علي غير المُختصين من حرج إذن. تشعر لدي مطالعة الأرقام أن لا فلسفة وراءها ..تشعر كما لو كان من أعَدَها يرغب في إلقاءها علي الورق للتخلص من عبء حيازته لها..تشعر أنك أمام جُثةٍ باردةٍ لمريضٍ يتردد النَفَسُ في صدره و الرئتين بصعوبةٍ بالغة.. حاولت الإستسلام لإغراء إيثارِ السلامة فإبتعدت قليلاً عن قراءة التقرير لتفشل محاولتي في النهاية فأقع في حبائلِ غوايةِ مغامرةِ الإقتحام.

ثلاثةٌ أرقام بالتقرير تستفزُ فِيَّ رغبةُ البحث: "العجز" في الموازنة (زيادة الإنفاق عن الإيرادات) و "العجز" في ميزان المدفوعات (زيادة التدفق الخارج من الدولة بالعملة الأجنبية عن التدفق الداخل لها) و حجم "الديون". وصل حجم عجز الموازنة للست شهور الأولي من هذا العام المالي -وفقاً لما ورد بهذا التقرير- إلي 168 مليار جنيه مقابل 132 مليار جنيه لنفس الفترة في العام الماضي أي بزيادة قدرها 36 مليار جنيه يرجع سببها بالتحديد إلي زيادةٍ في بند الفوائد المدفوعة علي الديون بنحو 34 مليار جنيه، و وصل حجم "العجز" بميزان المدفوعات إلي نحو 3.7 مليار دولار في الربع الأول من العام. و لما كانت حكوماتنا المتعاقبة تؤمن إيمانا راسخاً لا يتزعزع بوجود علاقة طردية بين حجم عجز الموازنة و عجز ميزان المدفوعات من ناحية و حجم الديون و فوائدها من ناحية أخري، فكلما إزداد عجز الموازنة سَعَت حكوماتنا لسَدِهِ عبر الإستدانة بالجنيه المصري، و كلما إزداد عجز الميزان التجاري سَعَت حكوماتنا لسده عبر الإستدانة بالعملة الأجنبية. وصل حجم الديون حسب التقرير إلي 2 تريليون جنيه و 46 مليار دولار. كلما إزداد حجم ما تستدينه إزداد حجم ما تدفعه كفوائد علي هذه الديون فيزداد بذلك حجم عجز الموازنة لديك، و كلما إزداد إعتمادك علي الخارج في الإستيراد كلما إزداد حجم ما تستدينه ثم ما تدفعه من فوائد و أقساط لتلك الديون فيزداد حجم عجز ميزان المدفوعات لديك.

 و هكذا تستمر في الدائرة الشيطانية إلي ما لا نهاية..تستورد، فتستدين، فيزداد العجز لديك سواء كان عجزاً في الموازنة أم في ميزان المدفوعات.  تلك هي ملامح الأزمة و بداية طريق الحل..الإستيراد هو "كعب آخيل" و ميزان المدفوعات هو الهام و الأهم فالمهم. من الطريف أن ميزان المدفوعات -الذي بلغ العجز به كما أشرت سابقاً إلي 3.7 مليار دولار- يتضمن بنداً يقال له "السهو و الخطأ" ينتج عن فروق تدفقات للخارج بسبب تدهور العملة و تسويات اخري لا يعلم تفاصيلها سوي محاسبو البنك المركزي و وزارة المالية وصل إلي مبلغ 1.1 مليار دولار في الربع الأول من العام. هل يصل حجم عجز الموازنة بنهاية هذا العام المالي إلي 350 مليار جنيه مقابل ناتج محلي متوقع عند مستوي 2.9 تريليون جنيه أي بنسبة 12% و تصل الديون إلي ما يزيد عن 55 مليار دولار و 2.5 تريليون جنيه مصري و يصل العجز في ميزان المدفوعات إلي 12 مليار دولار مُتضمناً مزيداً من السهو و الخطأ بنحو 4 مليار دولار......سنري، لا جَعلنا الله و إياكم من الذين هُم عن أموالِهِم سَاهُون. 

التعليقات
press-day.png