رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: التحليل الطبقي للوزارة الجديدة - من يصنع القرار؟

لم يُضبط أحدهم مُتلبساً بممارسة أي مستوى من الفِعل السياسي، فالسياسة كما لُقِنوا هي محضُ "لُعبة قذرة" و هم أنظف من أن يلعبونها.. لم يُشَاهَد أحدهم بين الجموع في يناير و ربما ظهر بعضهم علي إستحياءٍ للتصوير ثم تحميل الصور علي فيسبوك لمجرد إثبات الحضور في يونيو فقط..

هم بعيدون إذن عن الشارعِ – بمفهومه الواسع ثقافياً والأهم "طبقياً".. آتون من جيل تربى علي الوهمِ المالي (لا الرأسمالي) الكبير وإفناءِ ساعات العُمر الثمين في تكديس الأموال خشية الإنزلاق لشريحة إجتماعية أدنى، فلم يتوافر لهم مجالٌ للإطلاع علي عالمٍ مُغايرٍ خارج حدود نمطٍ تقليدي رثٍ تجاوزه الزمن.. لم يدركوا للحُريةِ من معنىً سوي حُريةُ التجارة و فوضي "الإنفتاح" الذي تسبب في خلخلة تراكيب إجتماعية شِبه عادلة كان من الممكن لها أن تستقر لولا ظروف القهر و القمع السياسيين فلم تجد لها ظهيراً من الحريات العامة يدعم وجودها أمام مدفعية التبعية الثقيلة..  

لم يُعرَف عن أحدهم تبنيه لفكرٍ يُخالف فِكر السوق/السوء (فلتَنطِقَها كما تشاء إذ لا فرق جوهري هناك)..أبوهم هو آدم "سميث" و "وارين بافيت" هو مَثَلُهم الأعلي و ما يُشيرُ به صندوق النقد و البنك الدوليين هو لاهوتٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه..

"دعه يعمل، دعه يمر" هي قاعدتهم الأثيرة بغضِ النظر عَمَّن هذا الذي يعمل أو ماذا يعمل أو إلي أين يمر..لم تتوافر لهم قُدرة التمييز بين "التنمية" و "النمو" ثم إدراك علاقة كل من هذين المُطَلَحَين بالحراك المُجتمعي.. ربما أحاط بعضهم بشيئٍ من العِلم لكنهم "آثروا السلامة".

شُطارٌ بكل ما تنطوي عليه الكلمة من دلالات..قادرون هم علي إستشعار متي و من أين تؤكل الكتف.. بعضهم من رجال أو نساء الصف الثالث والرابع من حاشية الوريث الأسبق ممن كَمِنوا في ظلامِ النسيان المؤقت خلف جدران مكاتبهم المُعتِمة في إنتظار لحظتهم التي حانت فإقتنصوها بلا تردد.

 

تلك هي التركيبة الإجتماعية لأعضاء الحكومة التي شكلها رئيس الوزراء بإختيار رئيس الجمهورية و من خلفه مؤسسات صنع القرار. و أنا لا أميل -كما مال البعض- إلي نقد هذه التشكيلة بمن إنضم إليها قبل ساعات بإعتبار أنها قد تمت بِرعونة و بلا وعي أو رؤية، فهي في ظني -و ليس كل الظن إثم- تشكيلة مُنتقاةٌ بعناية شديدة وفق معايير صارمة تَبَدت ملامحها في ألا يكون لأي منهم "ماضٍ" سياسي أو ثقافي، فكان معيار الإختيار هو أن تجمعهم "رؤيةُ" ألا يكون لأي منهم "رؤية" مُستقلةٌ مُخالفة أو ألا تكون لهم "رؤية" علي الإطلاق.

كان أستاذنا الكبير الدكتور "غالي شكري" يري -رَحِمهُ الله- أن تحليل الهُوية الطبقية للسُلطة الحاكمة لابد و أن يكون تحليلاً "للقرار" و ليس لشخصِ صاحبه أو تاريخه أو حتي نِيَتِه، فالقرار يتم "إعداده" في مسارات متعددة متشابكة و أحياناً ما تكون متعارضة متضاربة يحسمها "مُتَخذُ" القرار في ضوء قناعاتٍ ترسخت بفضل خبرات صنعتها التجارب و الثقافة العامة و الإنحياز الإجتماعي.

إذن فهناك فارق ضخمٌ جداً بين من "يَصنَعُ" القرار و من "يَتَخِذُ" القرار أو من يتحمل تبعاته، و من هنا يكون التحليل الطبقي "للقرار" (أو بالأحري لمسارِ صُنع القرار) هو الذي يُحدد توجهات المُجتمع صوب طريقٍ دون آخر، و في سياقه يتم تفسير الإختيارات.

إذا ما إتبعنا منهج المرحوم "غالي شكري"، و أحسبه مازال قابلاً للتطبيق علي حالتنا الراهنة التي لم تتطور منذ وفاته في ١٩٩٨ بل هي في واقع الأمر إزدادت إرتداداً إلي الوراء، فيمكننا أن نستنتج أن التشكيل الوزاري برُمته –لا التعديلات الأخيرة فقط- إضافةً إلي مجلس النواب الذي صُنع بنفس الأدوات و من خلال نفس القنوات، ثم بعض التحالفات مع رموز دينية، فمحاولة إستقطابٍ لمن أُطلق عليهم "المُثقفون" (و هل للمثقفِ من تعريف يُستدعى علي أساسهِ واحدٌ و يُتركُ آخر) إنما هي تهيئة لإستكمال الصورة النهائية للدولة "البطريركية" التي يلعب فيها الأب دور القائد الواحد و مُتخذ القرار الوحيد في خلطٍ مرسومٍ بدقة بين مهمتي التنفيذ و التشريع بينما مسار "صُنع" القرار الحقيقي ،الذي يتوجب دراسة و تحليل تركيبهِ الطبقي، يتم في أمكنة أخري. إنه المسار الذي تتحدد في ضوئه إنحيازات السلطة والذي يتم بموجبه إستحضار مُنفِذين جاهزين من أصحاب الرؤي الذين يتفقون مع تركيبه الطبقي فلا يشذون عنه - بحُكم التلاقي الفكري- أو ممن لا رؤية لهم علي الإطلاق فتَسهُل إدارتهم.

في هذا السياق الكُلي ينبغي أن تكون الدراسة ثم التحليل فـ بداية تفسير الإختيارات لا العكس كما حدث في كل التحليلات التي استُدرجنا لها استدراجاً لتتواري في خلفية المشهد البائس أسئلة في غاية الأهمية من نوع "متي تحكم الثورة مصر؟" فتضيقُ الأحلام لتقتصر علي "متي يحكم السياسيون مصر؟" و من يدري ما عساها تكون أسئلةُ الغد.  

 

 

التعليقات
press-day.png