رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب عن : «نَظرَة»

ظل الطغاة الرسميون وغير الرسميين في عناد أسطوري مع حركة التاريخ ومسار تطوره - يظنون أن ترهيب المجتمع يبدأ أولاً بقمع المرأة بإعتبارها المخلوق الضعيف النابت من الضلع المُعوَج، فيكون قمعها بالضرب والتحرش الجسدي عِبرة لكل من يفكر فيه بصورة مُغايرة لأجل تحقيق أهداف نبيلة ترتبط بوحدة الإنسان وحريته.

مرت الأيام و تغيرت التراكيب المُجتمعية، لكن ظل فكرُ الترهيب علي بؤسه وتدنيه.. ما تغير فقط هو نمط أدائه وأدوات عمله، ليَحِلَ الترهيب بالضرب والتحرش "الذهني" في أروقة المحاكم بديلاً عن الترهيب بالضرب والتحرش "الجسدي" في الشوارع وإن إقتضي الأمر درجة ما من الترهيب الجسدي في بعض الأوقات.. صارت أداة الترهيب هي تجريم انفتاح العقل علي ثقافة الحضارة وحقوق الإنسان التي تحولت في هذا العصر الحزين من إبداعٍ إنسانيٍ راقٍ إلى جريمة تضع من ينادي بها موضع الإتهام أمام فاشيةٍ مُجتمعية كاسحة تناغمت مع مكارثية رسمية طاغية لتنفتح أبواب جحيمِ محاكم التفتيش..

تَحَولٌ جذريٌ في نمط عمل الترهيب وأدواته ينبغي التوقف أمامه ودراسته بمستوي متطور من الفحص والتدقيق ثم إستنباط النتائج. ولما كانت أفكار وممارسات مؤسسة الحُكم ومسارات صنع القرار المتعددة بها - والتي ربما تكون متضاربة- هي إنعكاس لأفكار وممارسات مجتمع بأكمله، فإن التوقف للفحص والتدقيق واستنباط النتائج لم يعد من قبيل رفاهة الدراسة العلمية لأجل إعدادِ بحوثٍ تنضم إلي مثيلاتها علي أرفف مكتبات الجامعات أو علي الأرصفة بل صار الأمر حتمياً حيث مجتمعٌ بأكمله علي المحك.

ما الذي حدث إذن فألقي بنا - أو يكاد - إلي خارج التاريخ. في ظني - وليس كل الظن إثم- أن تداخلاً قد حدث في فترةٍ ما من الزمن بين ثلاث مؤثرات خلقت موروثاً إجتماعياً أدي إلي ما آلت إليه مُجتمعاتنا علي جميع الأصعدة وإن تبدت نتائج هذا الموروث ظاهرةً بشكلٍ أكثر وضوحاً في علاقة المجتمع والسلطة بالمرأة. تتمثل هذه المؤثرات في

1)                      "أوتوقراطية" تسبب فيها حكم الفرد ومسار إتخاذ القرار وما نتج عنه من ممارسات لغير المتداخلين في هذا المسار اقتربت من عبادة هذا الفرد من جانب البعض و الإنعزال فالإعتزال من جانب البعض الآخر.

2)                       "ثيوقراطية" تولدت بسبب العلاقات الكهنوتية/الأبوية التي ساهم فيها تيار الدين السياسي حين خلق طائفية أدت إلي طائفية مضادة فتقوقُعٍ للجماعات البشرية علي نفسها مما زاد من حدة الإنعزال و الإعتزال.

3)                       "التبعية" السياسية و الإقتصادية التي توجتها قيم العولمة حيث تم نبذ مفاهيم التنمية المتمحورة علي الذات التي يتحرك فيها المجتمع مدفوعاً بمزيج من الإحساس بالخطر والرغبة في صنع مجدٍ مُعاش بما يستلزم تعاون كل أفراد المجتمع وتشاركهم علي نحوٍ ما، مما رسخ الإنعزال فالإعتزال و من ثم الإحجام عن أي مشاركة إيجابية فعالة من كل أفراد المجتمع.

كان هذا الموروث ثلاثي المؤثرات حاسماً في تركيب نمط العلاقة بين المجتمع والسلطة من ناحية والمرأة من ناحية أخري بموجبات الإنعزال (أو العزل إن شئت الدقة في حالتنا) فالإعتزال ثم الإحجام عن الممارسة والمشاركة في أي فعل إيجابي بإعتبارهن أعضاء متساوين مع باقي أفراد المجتمع من الرجال بنفس الدرجة.

ولنا أن نلاحظ في هذا السياق أن المشاركة التي بدت إيجابية من "أغلب" نساء مجتمعنا في الحياة السياسية قد اقتصرت علي الذهاب للتصويت فقط كفِعلٍ للحظة واحدة لا يتكرر إلا كل بضع سنوات دون أي مشاركة أخري في مسار سياسي له صفة الدوام، ولنا أيضاً أن نلاحظ أن دعوات المشاركة في التصويت لدي "أغلب" النساء لم تأت من منطلقات فكرية مستقلة صنعتها رؤية سياسية إجتماعية مرتبطة بمصالح طبقية لكنها كانت مدفوعة إما بدعوة "ثيوقراطية" كما كان الحال في نظام حكم الإخوان أو بدعوة "أوتوقراطية" ممزوجة بشيئ من "الثيوقراطية" في ظل نظام الحكم القائم حالياً. إذن فالموروث الإجتماعي بمؤثراته الثلاث مازال قائماً وأحسب أنه سيظل علي هذا النحو إن لم يحدث تغيير عظيم.

أزعم أن "نظرة" كانت –هي و"أخواتها" من منظمات العمل النسوي- بمثابة الهزة العظمي التي زلزلت كيان ذلك الموروث الإجتماعي لتصويب المسار تجاه تغيير كيفي عظيم في التركيب الذهني للمجتمع كان حتماً سينتهي إلي تفكيك إرتباط هذا الثالوث غير المقدس وخلق مجتمعٍ جديد.

ضرب "نظرة" و"أخواتها" كان إذن مُلخص الحكاية منذ بدايتها وحتي الآن، لكنه لن يكون أبداً المُنتهي. 

التعليقات
press-day.png