رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

خالد البلشي يكتب: السيسي رئيسا لتحرير عموم مصر

طالب الرئيس السيسي في خطابه أمس، الذي وجهه لمن أسماهم في دعوته للحضور «ممثلي المجتمع»، بـ «عدم خلط العمل النقابي بالسياسي»، ورغم أن السيسي في كل خطاباته يصر على أن يكون رئيس تحرير عموم مصر، فيضع السياسة التحريرية التي يجب على الجميع أن يلتزموا بها، بل ويحرص في كل لقاء على أن يوبخهم إن خرجوا عليها، فلا يرضى بمحرر خارج عن السياق حتى ولو كان بدرجة رئيس تحرير قريب منه، أو كاتب محب، ولا يعجبه تعليق يعتبره فالت من صحيفة أو موقع ليس تحت السيطرة، وهي صحف ومواقع لو تعلمون  قليلة بل ونادرة.

ورغم أن رجاله في كل الأماكن يشرفون على ضبط السياسة التحريرية لمصر من المنبع، ومطاردتها في المطابع أو مفارم الصحف، إن خرج عنوان عن السياق المرسوم، ولو من باب حلاوة الروح، أو محاولة التنفيث أو التعبير عن الرأي، ولو بنصف لسان وبقايا معارضة يتم حصارها في كل المجالات وإغلاق أبواب الحركة في وجهها.

رغم كل ذلك، ورغم ما يمثله ما يقوم به السيسي، من خلط بين منصب رئيس الدولة ومنصب رئيس التحرير، في مخالفة لقوانين نقابة الصحفيين والتي تشترط أن يكون المسئول التحريري عضوا مشتغلًا فيها، فإن ذلك لن يمنعنا من مناقشة دعوة الرئيس لعدم الخلط.. رغم أنه لم يحدد لنا المقصود بهذا الخلط ولا من يرتكبه ؟. وهو ما يطرح العديد من التساؤلات عن طبيعة الخلط ؟ والحدود التي يجب أن يلتزم بها النقابي حتى لا يقع في محاذير الرئيس ومحظورات توجيهاته؟ وكيف لنقابي على باب الله مثلي أن ينجح في اجتياز اختبار الخلط الرئاسي؟.

فعندما تلقي أجهزة الرئيس القبض على أكثر من 25 صحفيا، وتحبس بعضهم احتياطيًا في السجون لفترات تتجاوز العامين ونصف دون محاكمة .. فهل المطالبة بوقف القبض على الصحفيين والإفراج عن المحبوسين ظلما، وعدم تحول الحبس الاحتياطي لعقوبة بالمخالفة للقانون.. مطلب نقابي أم «خلط » من وجهة نظر الرئيس وأجهزته بين العمل النقابي والسياسي ؟

وعندما يتم القبض على مجموعة من الزملاء أثناء تأدية مهمتهم الصحفية ويتم توجيه اتهامات ملفقة لهم، رغم أنهم لم يحملوا سوى كاميرا ورغم تأكيد جهة عملهم وبأوراق رسمية أنهم مكلفون بالتغطية وتقديم ذلك للنيابة منذ اللحظات الأولى فهل المطالبة بوقف تلفيق التهم للمواطنين عمل نقابي أم خلط على طريقة الرئيس؟ وماذا تفعل لو علمت ان هؤلاء الصحفيين تم الحكم عليهم غيابيا بالسجن 3 سنوات ؟  وأن مجموعة أخرى يقضون عقوبة السجن فعليا دون حتى ان تستجيب الداخلية ومصلحة السجون لطلبات علاجهم.

عندما تصل الاعتداءات على الصحفيين إلى 782 اعتداءً موثقًا، خلال عام واحد، وتتراوح الاعتداءات بين تكسير معدات ومنع من التغطية والضرب والإهانة والتعذيب واقتحام المنازل وغيرها من الانتهاكات الأمنية فهل تكون المطالبة بوقف التغول الأمني عمل نقابي أم خلط سياسي؟ وماذا تفعل إذا كان الرد على مطالباتك هو مزيد من القمع وتعظيم للانتهاكات؟

عندما يتم اقتحام مقرات المواقع الصحفيةن وتعطيل طباعة 5 صحف لتغيير موضوعات بها، أغلبها له علاقة بالرئيس أو تنتقد مقربين منه حتى وصل الأمر لتعطيل صحيفة بسبب مقال عن شاب مقرب من الرئيس ، فهل تكون المطالبة بالحرية والتصدي للمحسوبية والديكتاتورية والإنفراد بالقرارات عمل نقابي أم سياسي؟ وماذا لو فوجئت بالمسئول عن كل ذلك يحملك المسئولية؟

عندما يتم مداهمة منازل الصحفيين، وسجنهم، ومنع الدواء والطعام والملابس، عنهم خلال الشتاء وإذا طالبوا بحقوقهم يتم الاعتداء عليهم وحرمان ذويهم من زيارتهم أو ركنهم أمام السجن بالساعات من أجل ان ترى زوجة زوجها أو يصافح طفل والده لدقائق معدودة بالمخالفة لكل اللوائح.. فهل تكون المطالبة بالإفراج عن المعتقلين وتحسين أوضاع السجون والمسجونين عمل نقابي أم تحرك سياسي؟

عندما يتم خطف الصحفيين من منازلهم وإخفاؤهم قسريا، لأيام قبل أن يظهروا في النيابات بلا محامين، أحدهم لازال مختف حتى الآن دون معلومات عنه، وعندما تعجز النقابة عن زيارة زميل أو تقديم علاج له،أو حتى تحسين ظروف سجنه، وعندما يكون 7 من زملائك بينهم أقرب المقربين لك عرضة للموت ليس بسبب السجن ظلما ولكن بسبب منع العلاج عنهم حتى وهم محبوسون ؟ فهل مقاومة الظلم والمطالبة بمحاكمة الظالمين عمل نقابي أم سياسي؟

عندما يتم إحالة صحفيين للمحاكمات وسجنهم، بتهم كإزدراء الاديان وخدش حياء المجتمع، فهل تكون مقاومة تطرف الدولة ومحاولات تحويلها لدولة دينية قمعية، والمطالبة بالفصل بين الدين والسياسة وحرية الإبداع والعقيدة والصحافة عمل سياسي أم نقابي؟

وعندما يحيل وزير واحد هو زير العدل السابق 10 صحفيين، لمحاكمات بسبب عملهم الصحفي، وعندما يصدر في عام واحد 14 قرارًا بحظر النشر في قضايا تخص مشاهير وقضايا فساد.. وعندما تصدر النيابة قرارات بالحبس الاحتياطي أو الكفالة في قضايا نشر .. فهل تكون المطالبة بإصلاح منظومة العدالة عمل نقابي أم شأن سياسي؟

عندما يتحول الخوف بسبب كل ذلك إلى هاجس يلازم الصحفي في كل تحركاته سواء بالقبض عليه في الشارع أو المنع من مزاولة المهنة أو وهو يقوم بتصوير مناظر طبيعية ، أو خلال كتابته عمل أدبي ، وحتى عندما يستجيب للرئيس ويحاول تجديد الخطاب الديني - رغم ما يحمله التعبير من خلل - فهل السعي للقضاء على الخوف ومقاومة السلطة التي تصنعه عمل نقابي أم سياسي ؟

عندما تفتقد الحكومة وأجهزتها للمهنية حتى في التلفيق والتزوير وحبك السيناريوهات، لنتحسر على أيام «التلفيق والتعذيب الجميل»، ويأتي رئيس ليحملك ثمن كل ذلك؟ ويترك القتلة والمعذبين وهاتكي الأعراض، الذين لا يعرفون التستر على جرائمهم طلقاء يواصلون عبثهم بمستقبل الوطن، طالما أن هنك كبش فداء اسمه الإعلام وحل اسمه المؤامرة ، فهل عدم العمل السياسي بمنطق نقابي يتحول لتهمة أم أن التراجع عنه يكون هو التهمة؟

عندما يعود الرقيب للمطابع، وعندما تمنع مقالات 20 صحفيا في عام وعندما يعتقل زملاؤك لأنهم يحملون كاميرا وقلم، وعندما يخسرون أعوامًا من حياتهم بتهم ملفقة، فهل المطالبة بسقوط من صنع للقلم رقيبا ووضع في المطبعة رجل أمن تكون عمل نقابي أم سياسي ؟

عندما يفصل زملاؤك ولا تجد قانونا يحميهم، وعندما تعرف أن معدل البطالة في مهنة واحدة تجاوز 20 % وعندما تتراجع معدلات الأجور في مهنة ينظر إليها باعتبار أصحابها صناع رأي إلى أقل من الحد الأدنى للاجور، هذا لو حصل عليها الصحفي من الأساس بسبب التضييق على الحريات النقابية وانحياز «قوانين السلطة» لاصحاب الأعمال، وعندما تقف الدولة عقبة في وجه تعديل هذه القوانين وتتجاهل ملاحظاتك بتعديلها أو تضعها في الأدراج، فهل الانتفاض ضد الفقر والثورة على الظلم الاجتماعي والمطالبة بالحريات النقابية عمل نقابي أم سايسي؟

عندما تصل الهجمة على الحريات إلى كل مجال تطأه قدمك وعندما تصبح الصحافة هدف دائم لخطابات الرئيس وعندما يتخيل الرئيس نفسه صانع للسياسة التحريرية لوطن بكامله فهل مقاومة حكم الفرد تكون عمل نقابي أم سياسي ؟

عندما تستيقظ من نومك على خبر تنازل حكام بلادك، عن جزء من أراضي الدولة، وعندما يتم إدارة ذلك سياسيا بمشهد هو في حد ذاته انتهاك للسيادة الوطنية، بإعلان الخبر بينما حاكم الدولة التي تم التنازل لها موجود يوزع المنح والعطايا في صورة اتفاقيات اقتصادية، وعندما يخرج الرئيس ليبرر ذلك بأنه حجب معلومات التفاوض، حتى لا يفسد الإعلام الاتفاق، ويؤكد أن حاكم الدولة الأخرى من حقه أن يرضي مواطنيه بما يعنيه ذلك أننا في حسابات حكامنا شيء آخر، وبعد ذلك يحملك الرئيس تبعات كل ما جرى لأنه ما كان لك ان تعترض او تتكلم ويختم حديثه بالقول أسكتوا بقى، فهل الدفاع عن حرية تداول المعلومات، وحقنا أن نكون مواطنين لا رعايا وشركاء في تقرير مصير بلدنا نقابي أم سياسي؟ وهل يجوز أن تتحدث سلطة كهذه عن النقابي والسياسي من الأساس؟    

عندما تتجمع كل هذه التجاوزات في مهنة واحدة؟ ثم يخرج عليك رئيس ليحملك كل خطايا نظامه وأثامه وفشله واستبداده.. ولا تخرج مفرداته في التعامل مع الصحفيين كلما تحدث معهم عن اسكتوا وما تسمعوش كلام حد غيري وانتوا بتعذبوني ليه وما يصحش كده؟ فهل أنت في دولة أصلا؟  وهل يمكن أن تتوقف من الأساس أمام حدود بعينها في المطالبة بحقك إذا كان الظلم فاق كل الحدود؟

الرسالة الأخيرة للسيسي بالمناسبة أنا أتوق ليوم تقف مشاكلنا فيه عند حدود توفيق بين زميل وزميل، أتوق ليوم أذهب لمنزلي في نهاية اليوم ولا أتابع زميل تم القبض عليه، أو يؤرقني صرخة مظلوم أو أسرة قلقة على عائلها ليس من السجن ولكن أيضا من حرمانه من دواء يستحقه، أتوق ليوم أخرج مع أبنائي لرحلة بدلا من الشحططة وراء الزملاء في النيابات .. لكن كل هذا لن يحدث بتحذيرات وتخويفات ما أصابت يوما معنا، لكنه يحدث بالعدل.. سيحدث عندما نستيقظ يوما لنرى زملاءنا وأصدقاءنا خارج السجون بدلا من أن نرى أرض مصر وسيادتها يتم التفريط فيها، عندما تتوقف ألة الظلم ونرى المعتقلين بيننا، سيحدث عندما يحاسب كل من قصر وباع وهادن وأهدر دماء في هذا البلد، سيحدث عندما نعيش في دولة عمادها العدل لا الخوف، سيحدث عندما يكون لدينا صحافة حرة تتحدث باسم الناس لا باسم الحاكم وتبرر له استبداده ومجتمع مدني حر لا مطارد بالقضايا وتشويه السمعة ومجال عام مفتوح للجميع لا نقابات محاصرة، ومواطنين لهم الحق في تقويم حكامهم والخروج عليهم وعزلهم دون قتل وسجن ..

الحرية بالنسبة للصحافة ليست فقط قضية وطن لكنها قضية مهنية ونقابية لكننا صرنا ندرك أنها لن تتحقق في ظل حاكم فرد ولا نظام ديكتاتوري يؤسس للظلم ويعيد انتاج ما فات بنفس الطريقة ونفس الأساليب ، وطريقته الوحيدة في التعامل مع معارضيه بالقمع والقهر وتوجيهات اصمتوا واسكتوا وكفاية بقى

التعليقات
press-day.png