رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

عاطف حلمي يكتب : ما وراء تيران وصنافير

لنخرج قليلا  من الحلقة المفرغة واللف والدوران حول بعضنا البعض في قضية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير ونرى ما هو أبعد وأعمق لأننا أمام مخطط محبوك يتم من خلالة إعادة تشكيل محاور وتحالفات المنطقة والغريب أن من يدفع فاتورة كل ذلك مصر ولا أحد سواها.

تحالف

نصبر شوية ... فليس من عادتي الإطالة في مقالاتي، لكني مضطر لذلك هذه المرة، فبالرجوع بالذاكرة للوراء قليلاً، قبل سقوط نظام الشاه في إيران على يد الخميني، كانت امريكا تعتمد على تحالف من ثلاث قواعد استراتيجية لها في المنطقة هي: السعودية وإيران وإسرائيل، حتى أن الشاه كان يعرف بأنه الابن المدلل لواشنطن.

شكل جديد

والآن بدأ وبشكل واضح تماماً ملامح هذا التحالف بشكله الجديد برعاية الولايات المتحدة وهو يضم السعودية وتركيا "بدلاً من إيران" وفي القلب منهما إسرائيل، وتركيا ليست بحاجة لأي نوع من الغطاء الشرعي والقانوني لعلاقتها بإسرائيل، فتركيا التي يحكمها تنظيم الإخوان ممثلاً في اردوغان وحزبه لها علاقات دبلوماسية وعسكرية عميقة مع تل أبيب أحسن من السمن على العسل، وهما الآن في إطار مفاوضات لإزالة ما علق بهذه العلاقة من شوائب خلال السنوات القليلة الماضية.

رغبات ومصالح

 وهذا التحالف في مجمله يلبي رغبات ومصالح جميع الأطراف، فالسعوديه تراه يصب في إطار ما تسعى إليه من تحالف سني في مواجهة إيران الشيعية وحلفاءها، وتركيا تراه فرصة لمد نفوذها جنوب البحر المتوسط ولعب دور إقليمي أوسع، بالإضافة إلى محاولاتها لعب دور الحلقة الوسيطة بين أوروبا والعالمين العربي والإسلامي، أما فوائد إسرائيل فما اكثرها وسوف اتناولها بالتفصيل بعد قليل.

الغطاء الشرعي

إذن أين الأزمة؟ ... الأزمة في الغطاء الشرعي لعلاقة السعودية بتل أبيب، فالمعروف أن السعودية قادت دول الرفض عند توقيع مصر اتفاقية كامب ديفيد، ورفضت الاعتراف رسمياً باسرائيل رغم ما كشفت عنه وثائق "ويكليكس" من علاقات سرية بين البلدين.

تطبيع

وهنا تظهر أهمية جزيرتي تيران وصنافير، فلابد أن تضطر الرياض لتطبيع علاقاتها مع اسرائيل والإعتراف بها رسمياً، ومن ثم فأن تنازل مصر عن الجزيرتين للسعودية، يؤدي بالتبعية إلى دخول الرياض طرفاً في "كامب ديفيد"، لأنهما تقعان ضمن القطاع "ج" في سيناء وفقاً لتلك الاتفاقية ومن ثم هما منزوعتا السلاح، وعلى السعودية ــ كطرف جديد ــ التوقيع على الاتفاقية التي تتضمن الاعتراف الرسمي بإسرائيل طالما أن هاتين الجزيرتين ملكاً لها، ولعل التصريحات السعودية الرسمية بشأن التزامها بكل الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الخاصة بهاتين الجزيرتين توضح لنا الكثير من الأمور، لأن الجزيرتين ترتبطان باتفاقية كامب ديفيد، وهذا يعني أيضاً أنهما ستظلان منزوعتي السلاح في كل الأحوال.

مكاسب اسرائيل

نعود إلى مكاسب إسرائيل، وفي مقدمتها تطبيع العلاقات بشكل رسمي نظمي عزمي مع السعودية الدولة الإسلامية الأكثر تأثيراً والتي تحمل دلالات خاصة لكونها مهد الإسلام وحاضنته.

السيادة المنفردة

 

وعلى المستوى الاسترتيجي، فأن مصر بفقدان جزيرة تيران على وجه التحديد، تفقد سيطرتها وسيادتها المنفردة على مضيق تيران الذي يفصل بين الجزيرة وساحل سيناء، وهو المتنفس الوحيد لحركة الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر، كما أن إسرائيل تضمن بذلك إزالة وحدة المراقبة المصرية الموجودة على الجزيرة التي سبق لاسرائيل مراراً وتكراراً المطالبة بإزالتها وقوبل ذلك بالرفض، لأن تلك الوحدة جعلت مصر ملمة بكل التحركات في خليج العقبة.

ضرب القناة

نقول كمان ... تسعى إسرائيل منذ فترة لضرب قناة السويس بكل السبل ومنها مشروع قناة موازية تربط البحرين المتوسط والأحمر، ومن ثم فأن ضياع السيادة المصرية على كامل مضيق تيران يجعلها أكثر اطمئناناً من أن مصر لن تستطيع عرقلة تلك القناة، وساعتها ستفقد قناة السويس أهميتها وتتراجع عائداتها ونفقد مصدراً حيوياً للدخل القومي.

 

رأس الرجاء الصالح

الأكثر من ذلك أن محاولات ضرب قناة السويس بدأت بالفعل، فرغم التوسعة التي تمت فيها مؤخراً والمليارات التي صرفت على ذلك تراجعت العائدات، وساعد في ذلك انخفاض اسعار البترول إلى ما دون الثلاثين دولاراً بعدما كان يتخطى حاجز الـ 120 والـ 140 دولاراً، حيث استغلت الشركات الأجنبية الأمر في ضرب قناة السويس من خلال توجيه سفنها إلى "طريق رأس الرجاء الصالح" لأنه رغم طول المسافة إلا أن انخفاض أسعار النفط أدى إلى انخفاض أسعار وقود تلك السفن ومن ثم قلة الكلفة المادية في حال سلوك طريق "رأس الرجاء الصالح"، لا لشيء سوى ضرب قناة السويس، وهذا ما يفسر تراجع عائدات القناة رغم عملية التوسعة والتطوير، ومن المفارقات أن السعودية أحد أبرز اسباب انخفاض أسعار النفط لرفضها تخفيض حصتها وحصص دول منظمة "أوبك"، مما تسبب في إغراق السوق.

 

 

تصلب موسكو

هنا تتضح أسباب موقف موسكو المتصلب بشأن عودة السياحة الروسية إلى مصر، فبينما يدعو الفرنسي فرانسوا أولاند الفرنسيين للسياحة في مصر، نجد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتشبث بوقف حركتي السياحة والطيران مع مصر، ويصر على عدم استيفاء المطارات المصرية لشروط الأمن والسلامة، لتكتوي مصر بنفس العقوبات الروسية على تركيا ويشكل أكثر قسوة وبالطبع فأن الرئيس الفرنسي لم يفرط في أمن مواطنيه بل إن بوتين هو من يتعمد اتخاذ موقف متشدد، وجاءت تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ أيام أكثر ضراوة عندما قال: "إن الاجراءات المصرية في مكافحة الإرهاب لاتنجح دائماً".

 

رسائل روسية

 الموقف الروسي هو رسائل عن عدم رضا موسكو بشأن التوجه المصري الذي بدا يميل إلى كفة واشنطن والرياض، مما يعني الابتعاد عن موسكو ومعسكرها بحكم عملية الفرز والاصطفافات التي تجري في المنطقة على قدم وساق رغم تأكيدات مصر في تصريحاتها الرسمية التزام الحياد والتوازن بين جميع الأطراف وهي معادلة يبدو أن من يدير ملف السياسة الخارجية المصرية بدأ يواجه اخفاقاً فيها.

 

أخيراً، فان الملف معقد ومتشابك، وهو أشبه بجبل الجليد ما نراه ظاهراً منه أقل بكثير من الجزء المغمور، والقضية أخطر بكثير من تلك التجاذبات والتلاسنات والمشاحنات والاتهام بالتخوين والعمالة.

التعليقات
press-day.png