رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : الثورة المُضَادة – الجزء الأول

"في يوم السبت عاشر جمادي الأولي عملوا الديوان و أحضروا قائمة مقررات الأملاك و العقار، فجعلوا الأعلي ثمانية و الأوسط ستة و الأدني ثلاثة.

و لما أُشيع ذلك بين الناس، كثُرَ لَغَطهم و استعظموا ذلك، فتَجَمَع الكثير من الغوغاء من غير رئيس يسوسهم و لا قائد يقودهم و أصبحوا يوم الأحد مُتَحَزبين، علي الجهادِ مُلزَمين، و أبرزوا ما كانوا أخفوه من السلاح و آلات الحرب و الكفاح، فذهبوا إلي بيت قاضي العسكر، و تجمعوا و تبعهم ممن علي شاكلتهم نحو الألف و الأكثر، فخاف القاضي العاقبة و أغلق أبوابه و أوقف حُجابه، فرجموه بالحجارة و الطوب"..

هكذا تحدث "الجبرتي" في "عجائب الآثار في التراجم و الأخبار" واصفاً إندلاع ثورة القاهرة الأولي.. توقفت كثيراً جداً عند كلمة "الغوغاء" و ما لها من مدلولات في التراث الذهني الجمعي للمصريين وبالذات مثقفي الحاكم (و الجبرتي لم يكن واحداً من هؤلاء) الذين يستخدمهم دائماً لما لهم من قدراتِ تواصلٍ و بلاغةِ تعبيرٍ في إيصال رسائله وأغلبها جاهلة مُتعاليةٌ و فاسدة.

مُثقفو الحاكم ليسوا -فقط- مجموعة من البشر يمكن تقييم  سلوك أعضاءها بشكل منفرد مستقل، و لكنهم يشكلون نَسَق تفكير يجدر بنا تحليله مع تطور التاريخ و تبدل أحوال و ظروف المجتمع و الطبقات، فالذين وصفوا ثورة ١٩١٩ بأنها إنتفاضة "الدهماء"، هم ذاتهم من أورثوا نفس المنهج لأبنائهم ليصفوا ثورة يناير ١٩٧٧ بأنها إنتفاضة "الحرامية"، ليأتي أحفادهم فيستخدموا منهجاً مُطَوراً وأكثر مرونة في وصف ثورة يناير ٢٠١١ بعدما أثبت وصف "الغوغاء والدهماء والحرامية" عدم ملاءمته للتركيب الطبقي لثوار يناير ٢٠١١ الذي تَغيرَ بموجبات تَغيُر البناء الهيكلي للمجتمع المصري بأسره عشية الخامس و العشرين.

تفيدنا دروس التاريخ المؤلمة الظالمة أن الحاكم غالباً ما يأتي -كنتيجة لطبيعة الثورات "الشعبية" و ملامحها- من خارج دائرة تلك الثورات..و لعل القارئ الكريم يلحظ هنا أنني لم آتِ علي ذكر يوليو ١٩٥٢ التي لم "تبدأ" كثورة "شعبية"، لكنها كانت حركة تغيير قامت بها "نُخبة" محدودة العدد -و إن عكست تنوعاً طبقياً لأصحابها كأفرادٍ فقط- إمتلكت عوامل القدرة علي التغيير كان أهمها القوة صارمةُ التنظيم لكن كان غائباً عنها –عشية إندلاعها- تصوراً طبقياً عاماً يربط بين أصحابها -كلهم- من ناحية و بين الجموع "الشعبية" من ناحية أخري، إلا أن تلك "الحركة" ما لبثت إلا و قد تحولت إلي "مشروع" ثورة حين شرع أصحابها في ١٩٥٦ في تغيير التركيبة الإجتماعية، فحدث أن تم إستخدام الصراع الطبقي لأجل تثبيتها بشكل عملي و إن كان فوقياً تغاضي عن تعدد التنظيمات الشعبية المستقلة التي تتنافس في سياق إختلاف المصالح بإختلاف البِنىَ الطبقية.

و أحسب أن هذا الغياب كان أهم سبب من أسباب تصدع دعائمها أمام معاول الهدم التي لم تُكَلِف الثورة المضادة بقيادة "السادات" و "مبارك" من بعده جهداً ضخماً لكن دفع الوطن بأسره ثمناً باهظاً لها. و أزعم أن ديمقراطية تشاركية تسمح بحراك إجتماعي لا يصادر السياسة لصالح "نخبة" ما كانت ستحمي مكتسبات يوليو "الطبقية" وستحُول دون إنتصار الثورة المضادة الذي تُوِج في نوفمبر ١٩٧٧ بزيارة "السادات" للقدس المُحتلة لتبدأ مرحلة جديدة من مراحل تاريخ الأمة المصرية و العربية.

ولا يفوتني في سياق التحليل أن أشير إلي مسألة هامة للغاية ربما لم يلتفت الكثير من المُحللين و السياسيين إليها وهي أن هناك رابطاً عضوياً بين وجود ثم تطور فتوغل وتغول دولة الكيان الصهيوني بصفتها "حالة" من أسوأ حالات العنصرية القائمة علي التحالف مع أكثر نماذج الإستعمار إنحطاطاً و المبني علي حُكم رأس المال المالي الذي تمتد صلاته وعلاقاته متشابكة مع مصالح نُخب سياسية إقليمية ومحلية بعيدة كل البعد عن المصالح الشعبية، مما ساعد في إمكانية نفاذ فكر "التطبيع" إلي مجتمعاتنا التي كان رفضها له رفضاً "عاطفياً" فقط لا من منطلق إستيعاب لوعيٍ طبقيٍ مبنيٍ علي أساس "علمي".

ولعل جماعات الدين السياسي قد ساهمت في هذا المسار الفكري "العاطفي" – فقط - بطروحاتها الميتافيزيقية لشكل الصراع و شعاراتها الماضوية التي تأسست علي رؤي طوباوية محضة كشعارهم التاريخي غير المؤسس علي عناصر واقعية: "خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود". ربما كان ما حدث علي سلم نقابة الصحفيين يوم الجمعة الماضية هو بداية حراك يخلق مساراً أكثر إحكاماً و إستيعاباً لدروس التاريخ القريب و البعيد علي حدٍ سواء.

لحديث الثورة المُضَادة بقية إن كان في العمر بقية.

 

التعليقات
press-day.png